جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
01-30-2009 11:11 AM
قراءة في ديوان زرقة لطاهر العميري
قراءة: سليمان المجيني
• للزرقة عند طاهر العميري بوح آخر.. متنفس مغاير فهي المهجع الذي يأوي إليه إحساسه والمرقد الذي تهدأ فيه نفسه، وكذلك هي الثورة الجامحة لها في معترك المتناقضات الكثيرة للنفس.. إنها ببساطة مساحة كبيرة للسفر للألق خصوصا وأن الزرقة تكتنف خواص هذا الكون في سماءه وبحاره وأنهاره وتمثل موردا خصبا ومساحة هادرة بالتميز وأفقا واسعا للإبداع.. لذلك قلما تجد قصيدة إلا وتختص بزرقة ما.. السماء تارة والمطر تارة والبحر تارة أخرى إلا أنها زرقة حبكت حبكا جميلا أنسانا ما فيها من مفردات الطبيعة المباشرة، فيقول في أولى قصائد المجموعة الشعرية "للحنين أشجار.. للفرقى كلام":
مرّ بي واستيقظ بقلبي حمام
وألْف شاطي يحتدم في داخلي
مرّ بي ما للوجع بعده ينام
ما سواه وبه عيوني تمتلي
يا نهارٍ في أغانينا استهام
يا حنينٍ من ضلوعي ينهلي
نلاحظ هنا شكل الزرقة التي هي واضحة في المفردات "شاطي" و "أنهار" ودلالتهما على وجود مياه البحار أو الأنهار في ذاكرة العميري وكذلك تضم القصيدة على بعض تلك الأشكال أو القريبة منها "كالغمام" و"دمعي" و جدولي" و "السماء"، كما ا هناك بعض المفردات التي لها علاقة بهذه الزرقة الشكلية كالحمام والعيون وعصافير ويمام وأشجار ونخل.. هناك الكثير من مفردات الطبيعة التي صاغها العميري على مستوى المجموعة صياغة جعل منها مفردة متحركة غير جامدة ورقيقة كرقة الشعور وروعة الإحساس.
• زرقة أخرى يتنفس منها طاهر العميري شعرا نجدها في قصيدة "طفلة السكر" يزرع الغيم ويغني للمساء ويثرثر للأمطار ويسابق حلم منطوٍ خلف الشمس ويناجي محبوبته بكل استسلام لتطل عليه من شرفة الحلم المتناقض.. كل هذه الأشكال تدل على الزرقة كالغيم في السماء والأمطار والشمس والشرفة تدلان على الفضاء الواسع وهو ما لمحنا إليه مسبقا كدليل على فضاء الزرقة المشحون في قصائد المجموعة.
زرعت الغيم فـ كفوفك وثارت بي غلال أشجار
وغنّى للمسا شاعر ودف الليل في حسي
وجيتك بعضي وكلي سحاب وثرثرة أمطار
وظلٍ نايم خلفي ورا عصفورتي وشمسي
وفي أبيات أخرى من نفس القصيدة يقول:
تعالي ما بقى فيني على كثر الجروح أعذار
وهَم وغرفةٍ ظلما وحائط من دهر أمسي
على الشرفة هناك انتي وصمتٍ يحتويك أسرار
ينام الصبح فـ اهدابك وفانوس الهوى ممسي
*******************
• قصائد التفعيلة رسمت مدا آخر لزرقة العميري فهي شكلت أطراف السماء ونشرت الفراغ في هذا الفضاء الواسع وأصبح الفضاء قرية صغيرة بين يدي وضّاح الرمز الذي نجده متسترا في كل قصيدة تقريبا وهو الذي أراده أن يكون بطلا لقصيدة "الفضا قرية".. يرتسم المطر كغيم ويتساقط الرذاذ لتخرج زهرة الربيع ويستمر الزخم العاطفي في قصيدة كان الأجدر بها أن تحمل اسم وضاح الضحية أو الأمل من خلال دلالاته الناصعة مثل الرذاذ والهلال وموت النار وغيرها، أو ربما يكون صورة الموت أو الحب.. هي قصيدة تتلاطمها المفردات لتتضح فيما بعد أنها مغسولة بماء الأمل ومعجونة بسد التضحيات، ومسافرة إلى أبعد من هذا الفضاء.
أعجن طحين الوقت..
تتشكل أطرافي سما
أطعم يدي قمح الشتا
وينتثر كل الفراغ أوراق
ويطيح فـ احضاني الندى تفاح
أعجن طحين الوقت
واخبز سنين العمر
كل العمر كسرة
يصير فـ يديني العشق وردة
وكل الفضا قرية
وكل الهوى (وضّاح)
ومن قصائد التفعيلة أيضا قصيدة "نقلتين وجرح" يتمارى في هذه القصيدة الحلم واليقظة ويتساوى الجرح.. قصيدة مليئة بالمطر حتى يكاد يغرق الشكل والمعنى إلا أنها نسج لرؤية مغايرة فالنقلة الأولى تتسم بالمباشرة، هذا صحيح، ولكنها مباشرة للمفردة وليس للمعنى حيث نلاحظ التركيبة اللفظية الممتدة بين حنايا المفردات الجزلة التي اختارها الشاعر بعناية وما يوازيها من معنى يرسم جسم القصيدة وروحها ويتضح ذلك حين يقول:
تذكريني والحلم
كان المطر وقتها
ينزل علينا
وابتسمتي..
ما سألتك ليه ضحكتي
أو ليه سكتّي
كان الحلم بينك وبيني
وفجأة اختفيتي
وللمطر وحدي بقيت
صار المطر ينزل علَيْ
أما النقلة الثانية فهي عكس النقلة الأولى تماما وكأن من كتب هذه القصيدة شاعر آخر.. إنها نقطة تماس القصيدة فالشاعر هو من يجعلها جائزة ومؤثرة وآخر لا يعيرها بالا فيجعلها حائرة لا تعرف إلا طريقا واحدا.. حيث يقول في السطر الأول والثاني:
مثل الفجر حبيبتي
لا عانق الوقت الظلام
نلاحظ هنا أن الشاعر أتى بالفجر كوصف لمحبوبته وهو بداية النهار، وفي نفس الوقت جعل هذا الفجر يعانق الظلام، مع أنه في الحقيقة ينسلخ من الظلام ليبدأ يوم جديد يتسم بالوضوح وليس بالظلمة، ولكنها تشبيهات الشاعر التي يحاول من خلالها تزيين قصيدته من خلال الضد بالضد، كما أنه يحاول أن يجعله نهارا ضيقا عليه تتداعى له الأشواق والجروح والصمت والحزن والحنين لتزهر بعد ذلك في هذا الصمت وهو ما عبر فيه بالفجر والظلام بجدول الفرح والعشق والإشراق الذي يتمناه الشاعر بابتسامة من محبوبته.
• كتب الشاعر للحلم والحنين فجمع ذكرياته في قصيدة تشبه المساء حيث تعيش اللحظة كما في قصيدة "دفتر وحلم أزرق" ليقول:
تكبر فـ ذهني السما تكبر معاها رحلتي
يا كم أوجعني العمر ينزع خيوطي وامنعه
ياااه يا هالذاكرة هل تذكريني حارتي
طفل يصطاد النجوم وتكبر أحلامه معه
كنت أركض والنهار يذوب داخل خطوتي
كنت أحمل للوطن حزمة أغاني واشرعه
• كما تلمس العميري أوجاع وطنه الكبير فأهدى لأطفال لبنان قصيدته التي عنونها بـ: للحنين ألف دربٍ من حنين ويقول فيها:
هُم علموا النزف وش معنى الكفاح
هُم علموا الأرض هالحب الدفين
إلى أن يقول:
طارت وهم سرب أحلامك وطاح
من الألم ألف دفتر من حنين
• ثلاثة أبيات من ثلاث قصائد مختلفة طرزت حلم الزرقة لدى العميري لنرى معا:
صرتي التجلي لي به الكون راغب
في لحظة التقديس يستر عيوبي
ويقول في أخرى:
هذي السما برواز
والكل بها يحلم
ويقول في القصيدة الثالثة:
فجري كلك ألق
وما تشائي إفعلي
• وأبحر بنا في زرقته إلى تمارا التي أنهى بها قصائد المجموعة حين يقول:
إرتدي هالقميص الفستقي ارتدي
وزعي كل قطعهْ فيه ورد وعطور
كما يقول:
صرت "غاردينيا" تعبق فـ راحة يدي
يندي العشب تحتك.. يمتلي بك حضور
هذا إذا ما عرفنا أن تمارا إسم لفتاة صغيرة وغاردينيا نوع من أنواع العطور.. فلعله بهذا وجد فضاءه وأرخى سدوله ليعيش مستقرا في فضاء واحد يعشقه كما عشقته المفردة الجزلة والصورة المثلى التي كان يطير بها فيه..
• زرقة.. هو الإصدار الأول للشاعر طاهر العميري وهو يحوي على 22 قصيدة نبطية مقسمة من خلال 18 قصيدة عمودية (مقفاة) و4 قصائد تفعيلة (تغلب عليها النثرية).. تغنى الشاعر من خلالها بفضاء الحلم والحنين والجروح والرحيل والفراق والسفر.. وقد صدرت المجموعة عام 2006م ضمن مشروع وزارة التراث والثقافة لدعم الكتاب العمانيين، كما يأتي احتفاء بمسقط عاصمة للثقافة العربية.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|