موقع السلطنة الأدبي YOU COULD PUT BANNER/TEXT/HTML HERE, OR JUST REMOVE ME, I AM IN header.htm TEMPLATE

جديد المقالات
جديد البطاقات
جديد الأخبار
جديد الصوتيات


جديد الصور

جديد الجوال

جديد الفيديو

تغذيات RSS

الأخبار
أخبار متنوعة
قصة قصيرة: صرار للقاصة هدى الجهوري
قصة قصيرة: صرار للقاصة هدى الجهوري
08-16-2008 07:36 AM
((صرار)) للقاصة هدى الجهوري

كتبت عبير الحرملي:
((صرار)) للقاصة هدى الجهوري
القصة القصيرة التي فازت بالمركز الثاني في الملتقى الادبي الرابع عشر بصلالة

عيناي معلقتان على سرة طفلي الصغير.. على ذاك المشبك الذي تدلى ممسكا بقطعة اللحم الطرية بعد أن بتر عن حبلي السري الذي كان يربطه بأحشائي... بحذر تام كنت أحمله إلى الحمام ... أزيح ملابسه وحفاظته برفق.. أمرر الماء على كامل جسده وأحاول جاهدة أن أمنع وصول الماء إلى سرته... يفتح فمه بالبكاء... ينتفض المشبك، وأشعر بارتجافة عارمة تمر على سائر جسدي خوفا من أن يقع "صراره" وينزلق... ألفه سريعا بالفوطة وأبدأ بتجفيف جسده الغض ابتداء من سرته التي تناثرت حولها قطرات الماء الدافئة، وانتهاء بأصابع أقدامه الصغيرة... ما يزال المشبك ممسكا بقطعة اللحم التي أوشكت أن تصبح سوداء، وثمة رائحة نتنة تعلق بأنفي كلما اقتربت لأقبل بطنه الضئيل...
في المساء وعندما يغلق فمه على بكائه أشرد بذهني بعيدا لأفتش في ذاكرتي عن مكان جميل يمكنني أن أخبئ فيه "صراره" الذي سيقع بعد أيام قليلة... تذكرت "أم عبود" التي احتفظت بـ "صرار" ابنها لزمن طويل في درج سري من أدراج غرفة نومها، وانتظرت بشوق مجيء الوادي ثم قذفت به بكل ما تملك من قوة كمن يقذف بسر كبير إلى غياهب النسيان.. لم أستطع وقتها أن أحتمل الأسئلة التي انتشت في رأسي بينما كان الجميع متشاغلين بالحديث عن الوادي والأمطار التي بات يتأخر مجيئها عاما بعد عام.. اقتربت من "أم عبود" كمن يحاول أن يشم رائحة حكاية مخبأة :
ليش عقيتي صرار عبود في الوادي؟
اغرورقت عيناها بالدموع:
بيصير مثل هذا الوادي .. نشيط وقوي ...
لم يخنها الوقت، أصبح "عبود" رجلا قويا كلما مرّ من أمامي أشعر بأنه واد جارف يستطيع أن يأخذ كل شيء معه ...
لكن لا.. لا ..لا يمكني أن أنتظر مجيء الوادي.. ما زلنا في فصل الصيف الجاف، ولا شيء يشير إلى هطول المطر ..
تأملت وجه صغيري الأبيض الذي يطل من تحت "كمة" رأسه تلك التي خطتها من القماش، وجسده النحيل ملتف في "قماطه" الناعم الذي يمنع حركة يديه وقدميه... هكذا كعادة كل مساء كنت أحكم وضع "القماطة" على جسده، وأنا أتذكر ما قالته بنت معلم القرآن ذات يوم في "المعصر"... قالت: إن الأطفال يخافون كثيرا عندما يرون أيديهم فهم لا يعتقدون أنها جزء من أجسادهم ويشعرون أنها كائنات أخرى غريبة تحوم حولهم... لذا ينبغي على كل أم أن تحكم "قمط" أطفالها...
اطمأننت إلى أن طفلي ما يزال مستغرقا في نومه... سرحت بفكري مجددا وتذكرت "أم علوي" التي لم تنتظر مجيء الوادي... ولم ترغب في أن يكون ابنها نشيطا وخارقا للعادة مثل "عبود" .. ظللت أتردد على زيارتها في الأيام التي بدأ "صرار" "علوي" ينشف، وكنت أصر على سؤالها، وعمري لا يتجاوز التاسعة:
خالوه... وين بتدفني "صرار" "علوي" ؟
كانت "أم علوي" تشيح بوجهها بعيدا عني وتتململ من زياراتي المتكررة، وأسئلتي التي لا تنتهي...
كنت أراقبها وهي تأكل "قروص السمن والعسل" الشهية لتستعيد عافيتها بسرعة، ومن حين لآخر تكشف عن بطن "علوي" وتدعي أنها منشغلة بتغيير حفاظه..
في أحد الصباحات الباكرة طلبت مني أمي أن أحمل "سحلة الحلبة" إلى "أم علوي" فخرجت مسرعة، وأنا أكاد أنط من فرحي.. لاحظت أنها توشك على الخروج .. اختبأت وراء أحد الجدران التي تظللها شجرة بيذام كبيرة .. كانت هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها "أم علوي" من فراشها ومن التصاقها المحموم بطفلها... تبعتها بكل الفضول الذي تملكني.. لم تتوقف إلا عندما وصلت قبالة باب المسجد.. تلفتت بحذر كمن يوشك على سرقة شيء ما، وهي تحفر حفرة صغيرة سرعان ما ألقت فيها "الصرار" ودفنت الحفرة سريعا ثم داست عليها بقدمها عدة مرات لكي لا تنبشها خطوات المارة للصلاة .. كانت "سحلة الحلبة" ثقيلة وساخنة.. شعرت بحرارتها تسري في راحتيّ... لكني عرفت سر " أم علوي"، وعرفت بعد زمن طويل لماذا انحنى رأس ابنها إلى الأرض وهو ينقاد إلى الصلاة بخشوع غريب، كمن ينقاد إلى قدره أو إلى حكاية تخصه .. كان يجلس بعد الصلاة لزمن إضافي يقرأ القرآن..... انحنى رأسه كثيرا وكأنه يفتش عن تلك الحفرة التي سقط فيها جزء من جسده لدرجة أن الناس تناسوا "علوي" الصغير.. وتذكروا الشيخ "علي" وبركاته... فلم يعد أحد في قريتنا يجرؤ على مناداته بغير الشيخ...
ربما عرفت "أم علوي" أن سرا آخر للحياة يمكن له أن يبدأ من قطعة اللحم الصغيرة والمتعفنة تلك ... ربما عرفت أن روحا أخرى ستنبثق فيها ... وأن الحظ والخطوات سيتغير مسارهما كيفما تسنى لنا أن نتقن اختيار المكان الذي نزرع فيه جزءا من جسدنا...
أتذكر الآن أن أمي أيضا كانت تنبهنا دائما لضرورة أن ندفن أظافرنا في التراب.. اخوتي كانوا ينثرونها في الهواء أو يتخلصون منها في أقرب سلة مهملات في أحسن الأحوال... وأنا كنت أقص أظافري وجسدي ينتفض خوفا من أن تقع قطعة صغيرة ولا أراها ... أمي قالت: إن كل ظفر يضيع منا أو لا يدفن جيدا سنضطر لالتقاطه بأهداب أعيننا.. لذا فكرت بطريقة آمنه لا أخسر فيها.. فكرت بحفر حفرة صغيرة في حوش منزلنا لألقي فيها أظافري وأدفنها مباشرة... لدرجة أنه لم يتبق مكان صغير في حوشنا لم أحفر فيه حفرة، وكنت في كل مرة أعلق الأماني قبل أن تشرع يدي بتغطيتها .. أمانٍ كثيرة لا تعد ولا تحصى.. أمانٍ كانت تتحقق، وأخرى تذبل على شجرتها.. وثالثة كانت تغير مسار حظي وخطواتي...
والآن يلح علي هذا السؤال المتعب... أصبحت سرة طفلي ناشفة، وقد وضعت عليها زيت الزيتون.. ستقع صباح الغد أو في مسائه على أبعد تقدير... لكن أين عساي أدفنها...؟ أين سأودع سره...؟ وأي مكان يمكن للحظ أن يبتسم فيه أكثر...؟ وأي تربة يمكن أن تتشابه مع عجينة روحه...؟
أقع الآن في حيرة من كل الأمكنة... فلكل طريق باب وخلف كل باب تتفتح وردة أو يعصف جحيم... لست مطمئنة... أخشى أن تتسرب رائحة السرة إلى الجارات، وأن تتناقلها الوشايات الدنيئة... وأن تضيق الخيارات أمامي كلما اتسعت الأمكنة...
انقدح في ذهني شرار فكرة مجنونة... انقدح المكان بكل تفاصيله.. المكان الذي تمنيت أن أذهب إليه وعلقت أمنيتي بذلك على كل حفرة طمرت فيها أظافري ولكن الأماني خذلتني ولم أستطع الذهاب إليه.. الجامعة... نعم... الجامعة..
لا أريد أن يكون ابني نشيطا كالوادي، ولا أريده أن يكون إمام مسجد... أريده أن يدخل الجامعة... هذه أروع فكرة يمكن أن تخطر بذهني الآن... سأنتظر أن يأتي زوجي من سفره البعيد... وسأطلب منه أن يذهب إلى العاصمة ويزرع "صرار" ابننا بالقرب من كلية الطب أو الهندسة.. أمي قالت: إن تلك الرائحة التي ستنبعث من قطعة اللحم الصغيرة، والمدفونة بسرية تامة ستكون كالقوى الخفية التي ستجلبه ذات يوم إليها... لا شيء كتلك الرائحة سيدله على خطاه، ولا يمكن لأي منا أن ينفصل عما يخصه من تفاصيل...
في البداية لم أصدقها ... قلت في نفسي إنها من خرافات الأولين، لكن الحكاية بدت مغرية ... لذا قررت أن أصدق أمي هذه المرة أيضا لكي أطمئن إلى أن حاسة الشم ستقود طفلي إلى مكان رائحته تماما...
لم يخرجني من نشوة الفرح بتلك الفكرة إلا بكاء طفلي... قربت أنفي من حفاظه فانبعثت رائحة كريهة بت أعرفها جيدا .. كان لا بد من أخذه إلى الحمام للتبديل... لذا حملته بين يدي.. أزحت الحفاظ المبتل والملوث... فتحت صنبور الماء.. مررت يدي لأغسله.. فانفلت "الصرار" من جسده دون أن انتبه .. حاولت الإمساك به إلا أنه تسارع راكضا مع الماء ... ولم أفق من ذهولي إلا على صوت وقعه في البلاعة..

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1573


خدمات المحتوى


تقييم
7.14/10 (323 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.