جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
04-09-2011 03:28 PM
أربع ورقات نقدت الواقع وسبرت الحركة الديمقراطية العمانية
كتب: محمد الحضرمي
«المثقف والتغيير»، عنوان شيق طرحته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء للنقاش، في ندوة صغيرة، حملت مضامين كبيرة، فلقد آن الأوان للمثقف أن يقود التغيير، بمعناه الإيجابي، التغيير الذي فيه صالح الوطن والمواطن، من أجل ذلك قدم أربعة من المشتغلين بالثقافة، رؤاهم ونظرتهم لهذا التغيير، وقراءتهم للأحداث الراهنة التي تشهدها البلاد، أقيمت الندوة في قاعة المحاضرات بمقر جمعية المرأة العمانية بمسقط، وشارك فيها كل من د. محمد بن مبارك العريمي الذي قدم تلخيصا للأحداث، وتصورا للواقع، ومعللا أن رياح التغيير التي هبت على السلطنة، والتي وثبت مجموعة من الشباب، هي ليست فيروسا وصل إلينا عبر الأقمار الصناعية وقنوات الاتصال الإعلامية والالكترونية وغيرها، من دول عربية تعيش نكباتها وتعاني من اضطهاد وقسوة حكامها، وعنف حكوماتها، بل بسبب الاحتقان الشعبي جراء بعض الأخطاء التي حصلت خلال السنوات الماضية، وجراء الكبت، وعدم وجود منابر إعلامية شفافة، يستطيع من خلالها المواطن أن يوصل فكرته، ويقول صوته بكل حرية.
أخطاء السنوات العشر
يقول د. محمد العريمي، وهو كاتب وباحث في الشئون السياسية، وحاصل على الدكتوراه في النظم الدولية، ان السنوات العشر الأخيرة لم تتقدم فيها عمان كما ينبغي لها أن تتقدم، ولذلك استشرت فيها المحسوبية بين المسؤولين الذين لم يضطلعوا بالمهمة الموكلة لهم كما ينبغي.
وتحدث عن قطاع التعليم، ووصفه أنه لم يقم بواجبه كما ينبغي في كثير من خططه، فكم من طالب وطالبة حصلا على نتائج عالية، بلغت أكثر من التسعين في المائة، ومع ذلك لم يحظوا بفرصة للتعليم الجامعي المجاني، فيما تم منح طلاب آخرين أقل مستوى منهم فرصة الدراسة المجانية، بمحسوبية متناهية، لأن آباءهم من فئة المسؤولين الذين يجب أن يكرموا، وتغدق عليهم الأموال.
لقد تم تطبيق أنظمة دراسية فاشلة، عانينا منها كثيرا، وسيدفع ثمنها أبناؤنا الطلاب، وهي أنظمة فاشلة في بلدانها، ومع ذلك استوردت لنا، ومن أجل تطبيقها تم إهراق ملايين الريالات، ونتائجها لم تدفع بمسيرة التعليم في عمان إلى الأمام.
وهذه الحالة ليست في التعليم فحسب، بل في القطاع الصحي أيضا، إذ أعرف مجموعة من الأطباء، يناوبون في دوراتهم الوظيفية ما يقرب من 18 ساعة متواصلة، ترى أي عقل يمكن أن يستوعب ما حدث؟، وكيف نبغي من طبيب أن لا يقع في خطأ طبي، وعليه أن يناوب 18 ساعة متواصلة؟، أليس هذا فشلا في التخطيط؟.
وحياتنا المعيشية هي الأخرى أبشع بكثير، فالسلطنة المعروفة بطول سواحلها، ونقاءها، وجودة أسماكها، أبناؤها جياع من الأسماك، كانت سمكة "السهوة"، تباع ببضع مئات من البيسات، واليوم يصل الكيلوجرام منها إلى ثلاثة ريالات، بل أصبحنا نستوردها من اليمن، هل تتصورون أن صيادي صور يستوردون السمك من اليمن؟، لأن أسماك عمان تلتهمها الجرافات العملاقة، التي أكلت أحشاء البحار، ولم تبق فيها ولم تذر، فكيف إذن تتوالد الأسماك، ولم لا ينفد البحر؟!.
وأكد الدكتور العريمي الذي صدر له ثلاثة إصدارات في الجوانب المتعلقة بالنظام السياسي والإعلامي العماني، أن حكمة جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه كانت بالمرصاد لكل أنواع الفساد، وانحاز جلالته إلى صوت الشعب الذي كان يناديه بالتغيير، وجاء التغيير في وقته، ليؤكد أنه مع المواطن في أحلامه وآماله، وحكمة جلالة السلطان أخذت البلاد إلى مصاف الأمان، لينعم الإنسان في عهده الميمون بالأمان والاطمئنان.
اختلاف في دائرة الاستقامة
بعد ذلك قدم د. محمد بن سعيد المعمري ورقة بعنوان «المجتمع العماني بين الإقامة والتقويم والاستقامة»، تحدث فيها عن ضرورة وضع الأشياء في موضعها، وإنزال الناس منازلهم، وتسمية الأشياء بمسمياتها، وتأطيرها على حقيقتها، وهذه الأسس كما قال المحاضر ينبغي للعامة والخصوص إدراك مفاصلها وحدودها، دون تعسف ولا مواربة، ومن غير تلبيس ولا تدليس.
ثم تحدث أن إقامة المجتمع العماني كانت ولا تزال على أسس من الدين والخلق والقانون، وتقويمه كان ولا يزال على نهج التدافع المشترك بين المجتمع والدولة، أما الاستقامة فهي المرحلة التي يتركز فيها الحديث عنها في خضم ما هو دائر في الشارع والمؤسسات على السواء.
وقد لا تختلف العقول في إقامة الأمور وتأسيسها، أو تقويمها وتصحيح مساراتها، ولكنها تكون على اختلاف في دائرة الاستقامة، وهي الدائرة الكلية من تلك الدوائر الثلاث، مع كونها نتيجة من نتائجها.
وعن الاستقامة قال: إن الأفهام تتفاوت في فهمها، سواء على الأسس المتبعة في بحثها أم في المنهجية المتبعة في تنفيذ مراحلها، أم في مقدار التكاملية بين المؤسسات والأفراد في بنائها وإكمال سيرها.
وأكد د. المعمري: أن ثمة ولايتين معروفتين في الشرع والعقل، هما الولاية العامة التي هي من اختصاص ولي الأمر، وهي مناصب الدولة، وأهمها الحكم والقضاء والدفاع وغيرها، أما الولاية الخاصة فهي ولايات المرء على خاصة أموره كالنفس والمال وغيرها.
وهاتان المنطقتان كما يعبر الدكتور أنها تؤطران وتنظمان الحياة العامة للناس، ومن الواجب وضع الأمور موضعها، وإنزال الناس منازلهم، فلا يتعدى على الولاية العامة، فتحصل من ذلك الفوضى، ولا تهتك الولاية الخاصة فتكون هنالك الفتنة.
وأضاف أيضا: انه لا معنى للحديث حول الأيديولوجيات المستجدة، أو العتيقة، فكلاهما موجود في الكائن البشري منذ وجد وسيبقيان إلى يوم البعث، فما نراه مستجدا إنما هو في مظاهر الإيديولوجيا وليس في عمقها وعقيدتها، وما نلمسه من حراك في المجتمع إنما هو في دائرة المتغير لا الثابت، كما أن المستجد أو العتيق إنما هو إطار نسبي، لا يمكن بناء منظومة معرفية.
الوظيفة السياسية للمثقف
ثم جاء الحديث للباحث أحمد بن علي المخيني، الذي قدم ورقة بعنوان: «من هو المثقف؟ وما دوره في الحراك الاجتماعي؟»، مؤكدا أن مصطلح المثقف يلفه الجدل في ذاتيته وهويته من حيث النشأة والتكوين والصيرورة، ولذا فإن الباحث لم يتطرق إلى الجانب البنائي النقدي، بل إلى ملامح المثقف من منظور وظيفي.
وقال المخيني في حديثه عن المثقف أنه بحسب "مانهايم"، يرى أن أهم ميزة للمثقفين تمكنهم من القيام بدورهم كرعاة للحراك الاجتماعي، هي أنهم لا يشكلون طبقة اجتماعية واقتصادية خاصة تسمى بطبقة المثقفين من منظور عدم ارتباطها بأي من عناصر الإنتاج الثلاثة (رأس المال، واليد العاملة، والإدارة)، وذلك في رأيي يجعل من انتشارهم ضمن النسيج الاجتماعي في جميع الشرائح والطبقات الاجتماعية عاملا يمكنهم من أقلمة هوية المجتمع، وأدواتها، مع الحراك الاجتماعي، بنوعيه الطبيعي النشأة والصيرورة المستحدث على حد سواء، مما يوجد نسيجا متناغما ووعيا بالذات عبر مراحل التطور الاقتصادي والتنمية البشرية.
الاعتصام وسيلة حضارية
وقال المخيني: إن الوظيفة السياسية للمثقف تنبع من اجتماعية المعرفة التي هي بطبيعتها رابطة وملزمة، رابطة من حيث عناصرها ومؤثراتها (الثقافة الاجتماعية) وملزمة من حيث صيرورتها وتأثيرها (رأس المال الاجتماعي).
كما إن فكرة الاعتصام يمكن النظر إليها كوسيلة مدنية حضارية في قالب التعبير عن الرأي أو التفاوض الجماعي، ويمكن التعامل معها بشكل طبيعي الحراك بغرض أن يتعلمه الإنسان ويكون للمثقف دور في تسييره، ويمكن التعامل معه كشأن مستحدث ليفي باستحقاقات مرحلة معينة، وفي كلتا الحالتين على المثقف أن يأخذ دور صانع النسيج لأن صناعة نسيج المجتمع بما أمكن من خيوط وألوان أو ما يمكن استحداثه من خيوط وألوان من صميم مسؤولية المثقف.
وأكد المخيني: أن دور المثقف في الحراك الاجتماعي يأخذ مركزا وسطا بين قطبي المشاركة والمراقبة، فالمشاركة الكاملة تمنعه من النظرة الكلية للتراكمات المعرفية والبنى النسيجية للمجتمع، وتجعل معرفة المثقف بمحيطه نسبية بدلا من أن تكون علائقية ولا أعني بالعلائقية هنا العلاقات البشرية، وإنما علاقة المثقف بوسطه الاجتماعي.
بعيدا عن جمود المواقف
وأضاف في سياق ورقته: إن أكبر خطأ يقترفه المثقف هو اتخاذ موقف جامد من الحراك، وعليه التنقل كمكوك النول بين قطبي المشاركة والمراقبة، وبين الأطياف الملونة لنسيج المجتمع، حتى يتمكن من إعداد المجتمع، ليتقبل الطور التالي من نشوء المجتمع وتطوره، وفي رأيي أن اتخاذ موقف جامد قد يجعل من المثقف راغبا في فرض وصايته على فكر المجتمع وتحولاته الطبيعية.
واختتم ورقته بالحديث عن دور المثقفين في المرحلة القادمة، حيث أكد أن على المثقف أن يكون حاضنا للأفكار، دون مزايدات أو تسجيل مواقف، ورائدا في العمل المدني الجماعي، للانتقال من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي الجماعي وصولا إلى العمل المجتمعي المدني الجماعي، فالمثقف أشبه بالمنارة التي يلجأ إليها الربابنة ولو أتى كل من طريق مختلفة، أو متوجهة إلى وجهة مغايرة، إلا أنهم جميعا يمخرون عباب هذا الوطن.
المثقف ودوره القيادي
ثم جاءت ورقة محمد رضا محمد اللواتي، قدمتها بالإنابة عنه د. سعيدة بنت خاطر، تحدث فيها عن تيارات التغيير الساخنة التي هبت على أغلب البلدان العربية، وما يعرف بـ«ديمقراطية التغيير» التي أوقعت شرخا بين المفكرين والمثقفين حيالها، فباتوا فريقين: فريق يطلق عليها ديمقراطية الحقوق، ويتخذ يوم وصولها لشواطئ عمان يوم عيد، وفريق يسميه أنفلونزا التغيير، التي أصابت شتى شرائح المجتمع، فلا نمر بزاوية إلا ونرى حشدا يهتف مطالبا تارة بحقوق مشروعة، وأخرى بمطالب لا تمت إلى الواقع بصلة.
وقال أيضا: إن المعني بقيادة القواعد الشعبية هو الثقافة، لأن الناس لا يقبلون أن يكونوا موجهين، أو مسترشدين، لكنهم لا يمانعون أن ينالوا ثقافة ما تضيء لهم الطريق، فالثقافة مطلب جماهيري أصيل. ولأن الثقافة أنواع، نظرا لأن الإنسان يستطيع القيام بأدوار متنوعة شتى ومختلفة في الحياة، فهو محتاج إلى ثقافة تعددية.
وقال أيضا: إن الرشيدين، والأكاديميين وعلماء الدين، والأخصائيات الاجتماعيات في المدارس والكليات، والمفكرين والمفكرات، كل أولئك يرتوون معرفة ما، ويتعاطون ثقافة ما، وعليه فكل أولئك يمكنهم المساهمة بهم في تثقيف القواعد الشعبية.
الاستناد على الإنجازات
وأكد في ورقته أنه ينبغي لمن يود أن يمارس دور التثقيف أن يستند على إنجازات البلد، وعلى ثقافتها المحلية، وعراقتها التاريخية، قبل أن يلملم أوراقه من الثقافات القادمة من الخارج، حتى يكون عمله متوازنا تنصهر فيه مفردات الديمقراطية داخل العراقة المحلية في بوتقة واحدة، وهذا المزيج الفريد إن تم إعداده بشكل جيد، فلن تتمكن ثقافة العصر أن تنزعنا من جذورنا الضاربة في أعماق التاريخ.
وأكد في ورقته: أنه من الجائز أن تكون الديمقراطية قد بلغت شطآننا منفلتة عن كل قيد، لكنها لا ينبغي أن تصبح على أرضنا عصية عن كل قيد، ليس لها أن تصول وتجول طليقة عن كل قانون، وكل خلق وقيمة رفيعة، بل لابد أن نضع في معصميها قيد القيم العريقة، والأخلاق الرفيعة، لكي نمنعها عن أن تسلخ جلد أصالتنا عن سلوكنا.
واختتم ورقته بتأكيده على أن المثقفين وحدهم هم المناط لهم قيادة دفة الديمقراطية، على شرط الاستناد على القيم العمانية الأصيلة، والأخلاق الإسلامية الرفيعة، عندئذ فحسب يمكننا أن نقول أهلا وسهلا بالديمقراطية وما يرافقها من تغيير.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|