جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
10-13-2010 03:40 AM
أشرعة - للكاتب : سالم بن محمد الغيلاني :
تأتي أهمية الشعر الشعبي في أنه يعبر بصدق وعفوية عن البيئة والمجتمع والناس، وتحتل مدينة صور مكانة مميزة في الشعر العربي العماني، حيث يجمع الشعر فيها بين بداوة الصحراء وطلاوة البحر وسحره، فيقدمه الشعراء في مزيج من الصدق والحلاوة.
ويستغرق الشعر الشعبي كل فنون الشعر الفصيح من مديح وغزل ورثاء وفخر وهجاء، فضلاً عن ذلك فإنه يصلح للرقص الشعبي والغناء. ومن ألوان الشعر الشعبي في عمان بحسب الشكل والمضمون: الرزحة وفن الميدان والرمسة والتغرود وتتفرع من كل رقصة من هذه الرقصات ألوان أخرى ولكل لون اسمه وهناك العديد من شعراء هذا اللون الذين يجمعون بين شعر الفصحى والشعر الشعبي، مما يعطي هذا الشعر مذاقاً خاصاً ويعطيه جرساً موسيقياً مميزاً، فضلاً عن عمق المعاني والأفكار.
وقد صدر للشاعرة العمانية د. سعيدة بنت خاطر الفارسية ديوان من الشعر الشعبي عبارة عن رباعيات شعبية عنوانه "قطوف الشجرة الطيبة" وهو عنوان عميق ذو دلاله فكرية وقومية يتجلى ذلك في الإهداء الذي صدرت به ديوانها الذي جاء فيه: "إلي والدي.. عاشق الشعر والعلم والوطن"، وفي تلك الأبيات الأولي التي استلهمتها من وحي روح أبيها، فقالت في أبيات مليئة بالشجن والحب والوفاء:
سألني عنك" الميدان" وبصمة فنك الراقي
وأنت فارس الميدان ووشمك بارز باقي
رحلت متدثر بالنور وقلب كالنهر ساقي
كنت للمشتقى ظله وللأيتام درع واقـي
يـا ميـدان الشـعر بـالله لا تسـألني
أنــا بفقــده انقطــع ســاقـي
ومن سمات شاعرتنا د. سعيدة التركيز في رسم الصورة، وتعميم الفكرة بحيث تتحول حكمة أو مثل متداول، فهي ابنة أصيلة لفن الشعر الشعبي العماني، ولرواده الأوائل: محمد جمعة الغيلاني، سعيد ولد وزير وحافظ المسكري وغيرهم من أساطين هذا اللون بفنونه وألوانه وصوره.
ولما كان الشعر الشعبي الأصيل يلجأ إلي الصورة المركزة التي تعبر عن مشاعره وأفكاره، فإن شاعرتنا تقدم لنا رباعيات شعرية من الشعر الشعبي تتسم بالصورة الشعرية البسيطة غير المركبة الموحية المفعمة بالعذوبة والجرس الموسيقي الهادئ.
انظر إلي هذه البساطة وتلك الرقة حين تكتب عن الأمل في هذه الرباعية الشعرية:
تراني اشتقت للمطره
وناداك الشجر قطره
بجيكم والوعد بكره
ما وفت بالوعد مره
يا غيم انزل، يا غيم انزل
ترجاك العشب تهطل
تبشر كل يوم ننظر
وباكر رحمها عاقر
أنها لهجة شعبية بسيطة يفهمها كل ممن يقرأ الفصحى لسبب واحد، فإن لهجتها الشعبية تكاد تقترب من الفصحى مثلها مثل رباعيتها تحت عنوان "ولدي" التي تقول فيها:
زرعته عنب وورود
من نبع صافي الجود
خضرت غصن العود
نفسي وعليها شهود
بستان أيامي
وسقيته أحلامي
من دمي وعظامي
يا صورة قدامي
وتجيد د. سعيدة في إيراد الصور الشعرية المعبرة عن أفكارها ومشاعرها بصورة تجسد فيها كل ما تريد أن تعبر عنه.
اقرأ معي تلك الصورة الشعرية الموحية العميقة الدلالة حين تصف الخليجية، فتقول:
والليل تحت الهدب شعشعت نجماته
والثغر صوغ الدرر لي تشع ما ساته
ما عافك القول ولا ضاقت مسـافاته
لك من رياض القلب ليوان سـاحاته
البحر في عيونها يكسر طرف موجه
والشعر جذع نخلة بفروعه وعذوجه
يا مهرة البيد ورموله يا وعروجه
بنت الخليج يا وردة يـا معشـوقة
إن اللهجة العمانية الخليجية تشكل هنا تلك اللوحة الموحية لتلك الخليجية الجميلة وفي رباعيتها "بلا عنوان" تتجلى قدرة د. سعيدة علي إعطاء الصورة المركزة والتعبيرات الشعبية الموحية التي تجري كالمثل الشعبي، وكأنها تقول لنا موالا شعبياً في مزيج من الموروث القولي التراثي المرتبط بالعادات والتقاليد وحكمة أهل البحر، في قولها:
ذهب عمري بليا من
وأطمعك سلوى ومن
وأنا وزنتك من
صديت تسأل من؟!
أنا عطيتك
وقلبي سقاك الشهد
الناس توزن بخس
واليوم إذا شفتني
إنها قدرة فنية في استخدامها للقافية "من" في كل بيت بمعني. آخر مختلف شأن شعراء الشعر الشعبي المجيدين الذين يتلاعبون بالألفاظ بالتلوين والتشكيل الفني، والقدرة علي التنويع في مفردات اللفظة الشعرية.
وهي تستوحي التعبيرات الشعبية الشائعة حين تكتب عن وطنها وبيئتها ومجتمعها مثلما نرى في "سمرة السيح" فتقول:
وعطر خيمة الوادي
يقبل جبهة بلادي
ويسمع خفقة أفادي
بكف الريح ميعادي
إذا نسنس هبوب الليل
نزل نجم السما يرقص
يضوي في الصدر لونه
أنا صبر السمر في السيح
وعندما تعبر الشاعرة عن مشاعرها وعواطفها، فإنها تقدم لنا بلغة شفيفة هامسة حيية، من خلال تلك المناجاة الهامسة لليل حتى يفصل لها عباءة من جلده تذكرنا بتلك المشاعر الغضة الرقيقة لبعض شاعراتنا العربيات القدامى.
إنها تناجي الليل في رباعية "عباية" فتقول:
عباية من جلدك
ولحفه عن بردك
أنفاسه من وردك
وخبي القمر عندك
ياليل فصل لي
أضم بها خلي
ونشم عطر بلي
ياليل ظلل لي
وتتجلى روعة الغناء البحري من وحي مدينتها صور العفية في رباعية "قلب للبيع" التي تقول فيها:
ورجـع صـدى اليامـال
لـو نبـع قلبـك مــال
بـايع وشـاري المــال
ويجيبــي رأس المـال
شــل البحـر رفعــه
مـا أصعــب الرجعـة
تـاجـر بنـي طبعــه
ليـت الـهوى ســلعه
وهي بجانب مشاعرها الذاتية تتناول في رباعياتها شئون وطنها عمان، ووطنها العربي وقضاياه الساخنة مثل قضية فلسطين بجانب رباعياتها المليئة بالنفحات الروحية والصوفية مثل تلك المناجاة الروحية للرسول" محمد صلى الله عليه وسلم فتقول:
عطريني يا قصيدة.. يمكن أقدر أوصفه
كيف يوصف اللي ذكره بعروقي عاصفة
كيف أكمل عجز قولي يا حروفي الواقفة
يــا رســول الله أنـوارك ســقتني
جــت ذنوبــي لمقــامك زاحفــة
******
وبعد فإن هذه الرباعيات الرائعة من الشعر الشعبي العماني للشاعرة العمانية المبدعة د. سعيدة بنت خاطر الفارسية تثبت رسوخ قدميها الشعري وتألقها في فن الشعر الشعبي مثلما هي في شعرها العربي الفصيح رغم أنك حين تقرأ هذا الديوان لا تشعر كثيراً بالاختلاف بين اللونين.. لأن قدرة الشاعرة علي التصوير الشعري، وإيصال المعني ببساطة وقدرة فنية عالية تجعلك تتفاعل مع شعرها الشعبي والفصيح بنفس القدر من المتعة.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|