جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
10-02-2010 10:36 AM
فيسكونتي وفيلم الغريب
السلطنة : كتب : كريمة الإبراهيمي
kalibrahimi@yahoo.fr
فرضت السينما الايطالية وجودها على الساحة بعديد انتاجاتها السينمائية التي عرفها العالم.كما استطاعت هذه السينما أن توجد لها مكانا عن طريق مخرجيها الذين تركوا بصماتهم على الكثير من الأعمال الخالدة.
ويعتبر المخرج – Luchino Visconti لوتشيانو فيسكونتي-من المخرجين الايطاليين الذين أتقنوا الإخراج في فني المسرح والسينما،وما تزال أفلامه السينمائية شاهدة على إتقانه لفن الإخراج وهو الذي عشق تحديدا الفن السابع بكل جمالياته .
ولد-فيسكونتي-بمدينة- Milan ميلان – في 2 نوفمبر 1905 لعائلة أرستقراطية ماركسية. بدأ حياته كعامل ديكور ليتحول عام 1936 كمساعد للمخرج- Jean Renoir جان رينوار-.عاد بعدها إلى ايطاليا .وعاد ليعمل مرة أخرى مع –رينوار-في المسرح.
أخرج –فيسكونتي-أول أفلامه عام 1942 عن نص ل-James Gain جيمس جاين- بعنوان-Le facteur sonne toujours deux fois ساعي البريد يرن دائما مرتين-.وهو النص الذي فتح المجال لأول مرة على الواقعية الجديدة التي تزعمها –فيسكونتي- لاحقا.وكان فيلمه الثاني عام 1948 والذي حمل عنوان-La terre tremble -والذي كان كانطلاقة تناولت الحالة الاجتماعية للطبقة البروليتارية والمعركة مع الطبقات كالماركسيين وكان هذا الفيلم من إنتاجه أيضا.
وتوالت أفلامه ،فكان فيلم-Bellissima –عام 1951.وجاء بعده فيلمه-Nous les femmes نحن النساء-1952، ثم فيلمه الناجح جدا- Senso سونسو-عام 1953.هذا الفيلم الذي استغل فيه –فيسكونتي-كل تجاربه مع المسرح ليخرج عملا جميلا.انه فيلم قائم على واقعية/رومانسية. انه الحب وهي الحرب، جمعهما الحب ثم افترقا ليختم الجنون قصتهما.انه البحث في خبايا الروح الإنسانية " إنها الارتحال والصراعات الاجتماعية التي شكلت التاريخ"1.كما قال عنه مخرجه.
إن هذا الفيلم عبارة عن "..سينما،مسرح،وأوبرا ايطالية للقرن 19.هذه الميلودراما التي تقوم على الموسيقى..والنظرة الماركسية لفيسكونتي"2.
لم يتوقف –فيسكونتي-عن الإخراج فكان فيلمه الموالي –Les nuits blanches الليالي البيضاء-عام 1957 عن عمل للكاتب الروسي-دوستويفسكي-.وتواصلت أعماله مع فيلمه–Mort a’ Venise موت في البندقية-عام 1971وهو من أجمل أفلام –فيسكونتي-.
كما كان له بعض الأعمال التي قام بإخراجها للمسرح عن مسرحيات للكاتب الانجليزي-شكسبير-وللشاعر-تينسي ويليامز-وأخرج للمسرح الفرنسي عام 1961 عملا ل-جون فورد-.
اهتم –فيسكونتي- بالكثير من الفنون كالأوبرا إذ أخرج –La Traviata – لفاردي-Verdi - عام 1955، و-Anna Bolena – لدونيزتي-Donizetti -عام 1957 ، و-سالومي Salomé – لستراوس-Richard Strauss – عام 1961.
لقد كانت السينما عند –فيسكونتي- عالم كبير استطاع من خلاله أن يفتح نوافذ الحلم على الواقع ليتناول الإنسان في الكثير من حالاته ،إنها رغبته في أن يغوص في قلب الإنسان وروحه.ورغم أنه جاء إلى السينما كما قال في الكثير من لقاءاته :" لقد كنت مدفوعا إلى السينما"3، فقد استطاع أن يتخذ منها وسيلة للتعبير عن الكثير من القضايا التي تتعلق بالإنسان أولا .
إن السينما التي تهم–فيسكونتي-،هي السينما التي تهتم بأدق تفاصيل الإنسان ،مسيرته...إن وزن الإنسان ،وجوده،هي الشيء الوحيد الذي يؤسس الصور،البهجة التي يصنعها ووجوده الحي هو الذي يعطيه الحياة.هي سينما إذن تبحث دوما في خصوصية الإنسان .
فيسكونتي والأدب:
اهتم –فيسكونتي- بالأدب مقتبسا منه إلى السينما من خلال الأعمال العديدة التي قدمها.فإضافة إلى المسرح والشعر والأوبرا ،كانت الرواية من بين الأجناس الأدبية التي لفتت انتباهه .
ومن بين النصوص التي عمل عليها،محاولته لاقتباس رواية-A la recherche du temps perdu، في البحث عن الزمن الضائع-للكاتب الفرنسي-Marcel Proust مارسيل بروست- وبعض مسرحيات-شكسبير-. كما اقتبس رواية-L’étranger الغريب- للكاتب الفرنسي/الجزائري المولد–Albert Camusآلبير كامي-.وغيرها من النصوص الأدبية.
كامي..كاتبا:
كتب-كامي-عددا من الأعمال الأدبية التي صنعت تاريخه ككاتب وكمفكر من خلال فكرة العبث التي برع في التعبير عنها.
العبث إذن وفراغ الحياة واللاجدوى من العالم واللامبالاة حياله هي كل ما ميز كتابات –كامي- الروائية والمسرحية منها.
كتب –كامي- الكثير من الأعمال الروائية أهمها:
-L’étranger الغريب عام 1943.
-La peste الطاعون عام 1947.
-L’exil et le royaume المنفى والمملكة عام1957.
-Noces أعراس.
-Caligula كاليغولا.
La chute- السقوط.
L’été- الصيف.
Le malentendu- سوء تفاهم.
La mort heureuse- الموت السعيد.
Le mythe de Sisyphe- أسطورة سيزيف.
L’homme révolté- الرجل المتمرد.
Lettres à un ami allemand- رسائل إلى صديق ألماني ،وغيرها من الأعمال.
النص الروائي الغريب:
صدرت رواية – L’étranger –أو –الغريب-كما ترجمت عام 1943.وشدت إليها النقاد والباحثين انطلاقا من الموضوع الذي طرحته.
رواية-الغريب-، أشهر ما كتب-كامي-.رواية تحمل الكثير من المعاني رغم افتقادها للعواطف بحسب الدارسين لها.
تقع الرواية في جزئين.يحوي الجزء الأول ستة فصول ويحوي الجزء الثاني خمسة فصول. وتقوم الرواية على شخصية محورية ممثلة في البطل الذي يروي أحداثها-ميرسوMeursault - .شاب في الثلاثينات من العمر لا أحد له إلا والدته.
تبدأ الرواية من النهاية، من لحظة الموت ،موت والدة –ميرسو-،فيقول –ميرسو-:"ماتت أمي اليوم.وربما أمس لا أدري.لقد تلقيت من الملجأ الذي تقيم فيه برقية هذا نصها:أمكم توفيت.الدفن غدا.أخلص تعازينا.ولم أستطع أن أفهم شيئا..ربما قد تكون توفيت أمس"4.ومن هنا تبدأ أحداث رواية الأحاسيس الجامدة كما وصفها جل الدارسين.وبهذا الخبر المفاجئ الذي يتلقاه-ميرسو- من الملجأ حيث كان قد وضع والدته لأنه لم يكن يمتلك لا الوقت ولا المال للاهتمام بها. وهكذا يشرع –ميرسو-في رواية الأحداث التي بدأت بتفكيره في أن يستقل صباحا الأتوبيس إلى –مارينجو-حيث هو الملجأ.و-مارينجو- بلدة قرب الجزائر العاصمة يستغرق الوصول إليها بالحافلة قرابة الساعتين.وإذا كان من المفروض أن والدته قد توفيت فإنه لم يشعر بأي نوع من الحزن ، بل لا يظهر عليه حتى التأثر لهذا الموت المفاجئ إذ يتوقف في الطريق ليتناول طعامه كما هي عادته كلما زار والدته في الملجأ"ركبت الأتوبيس في الثانية وكان الجو حارا شديد القيظ.وكنت قد تناولت الطعام عند سيلست كما هي العادة.وكان جميع من في المطعم متألمين لمصابي...وكنت مذهولا بعض الشيء لأنه كان ينبغي أن اذهب إلى عمانويل لأستعير منه رباط عنق أسود وشارة للحداد أضعها فوق ذراعي "5.فهو لم يشعر بأهمية لما أصابه حتى أنه نام طيلة الطريق إلى –مارينجو-.وحين وصوله تحدث مع المدير ثم يتذكر أنه طيلة السنة الماضية لم يزر والدته ولا لمرة واحدة"وربما كان هذا هو السبب في أني لم أذهب لزيارتها في خلال العام الأخير ولو مرة.وهناك سبب آخر، هو أن هذا كان سيضيع مني يوم الأحد بالإضافة إلى الجهد الذي أبذله في السفر بالأتوبيس وشراء تذكرتين وساعتان تضيعان في الطريق"6. ولهذه الأسباب يذكر –ميرسو-أنه لم يفكر في زيارة أمه.
انه مفتون بوصف المناظر الجميلة من طبيعة وبيوت وهواء والتي تحف بها مارينجو وكأنه لا يحمل أمه في التابوت .وتنتهي مغامرته بدفن أمه وعودته إلى العاصمة دون أن يظهر لنا حزنه أو ألمه"كما أذكر ابتهاجي حينما عاد بي الأتوبيس إلى مدينة الجزائر حيث استقبلتني أنوارها الساطعة وقد استحوذت علي حينئذ فكرة واحدة:هي أن أذهب لأنام اثنتي عشرة ساعة"7.
وهكذا عاد –ميرسو-إلى ممارسة حياته اليومية وكأن شيئا لم يحدث.عاد ليستأنف ما كان يقوم به قبل موت والدته.فقد استيقظ صباحا بعد دفنه لأمه بالأمس ليذهب إلى الشاطئ ويسبح ويداعب الفتاة التي كان معجبا بها"...وبينما أنا أحاول أن أفعل ذلك إذ لمست يدي نهدي ماري وكنت لا أزال في الماء..وملت برأسي إلى الخلف ووضعته فوق بطنها كما لو كنت أداعبها..فتبعتها وأمسكت بها وأحطت خصرها بيدي وأخذنا نسبح معا.. وحينئذ سألتها : هل تريدين أن تأتي معي إلى السينما في المساء؟"8.وحتى حين تتفاجأ بموت والدته يحاول أن يبرر لها بأنه ليس ذنبه أن أمه قد توفيت بالأمس.وبعد عودتهما من السينما ترافقه إلى بيته ويقضيان الليلة معا.ليكتشف بعد نهاية الأحد وهو يوم عطلته "وخطر في ذهني حينئذ أن هذا يوم أحد متعب، وأن أمي قد تم دفنها، وأني سأستأنف عملي غدا، وأن شيئا لم يتغير"9.إنها قمة عبثية الحياة التي لا تتوقف سواء كان الحزن كبيرا أم لم يكن أصلا.
لقد ذهب في جولة انتهت بارتكابه لجريمة قتل.فقد أعطاه –ريمون-المسدس واحتفظ به في جيبه.عاد –ريمون – إلى بيت صديقه .أما هو فقد عاد إلى الشاطئ وهناك التقى بالشاب العربي الذي وقع بينه وبين صديقه-ريمون-المشادة.كانت الشمس قاسية جدا إذ يصفها بقوله"ولكن الحرارة كانت مؤلمة إلى درجة أنه كان من المستحيل معها أن أظل بلا حراك تحت أشعة الشمس المتساقطة كالمطر من السماء."10. ويواصل"وخيل إلي أن كل هذه الحرارة تتكئ علي وتعترض طريقي"11.وبسبب هذه الشمس الحارقة ،تهيأ له السكين الذي كان يحمله العربي عند النبع وكأنه سيف يلمع مما جعله يفقد السيطرة على أعصابه ويخرج المسدس"وتوتر كياني كله.وتقلصت يدي على المسدس.واستجاب الزناد للضغط ولمست إصبعي بطن المسدس المصقول.وارتفع صوت جاف وحاد في الوقت نفسه.وبدأت معه المأساة وأزحت العرق والشمس.وفهمت أني دمرت توازن اليوم والسكون الرائع للبلاج الذي كنت سعيدا فيه.وحينئذ أطلقت أربع رصاصات أخرى على الجسد المسجى الذي خمدت أنفاسه فنفذت فيه من غير أن يبدي حراكا.وكأنما كانت هذه الرصاصات أربع دقات قصيرة طرقت بها باب التعاسة والشؤم"12.
حدثت الجريمة التي لم تكن متوقعة.حدثت صدفة كما قال –ميرسو- لأنه لم يكن في نيته
أن يرتكب الجريمة التي لا علاقة له بها إلا من خلال صديقه-ريمون- الذي خبره يوما أن صديقته تخونه وانه عليه أن يجد الدليل على خيانتها له.
قبض عليه مباشرة بعد ارتكابه للجريمة، وزج به في السجن وقد طلبت المحكمة منه أن يطلب محاميا و إلا ستكلف المحكمة محاميا بمتابعة قضيته.لكنه كان يؤكد أن قضيته بسيطة جدا ولا تستدعي وجود محام.وعين له بعد ذلك محاميا.لم يكن الأمر مهما بالنسبة إليه فقد ظل يهتم بتفاصيل لا تعنيه كاهتمامه بلباس المحامي والقاضي وغيرها من الأمور التي لا تهم.
وجد-ميرسو –نفسه متهما في قضايا لا علاقة لها بجريمته، فقد اهتمت المحكمة بسلوكاته أكثر من اهتمامها بارتكاب الجريمة وهو ما جعله يستغرب الأمر .يقول:" وعلم المحققون من البحث الذي قاموا به في بلدة مارينجو أني أظهرت عدم مبالاة يوم دفنت أمي...وقلت أني كنت أحب أمي من غير شك ولكن هذا لا يهم.وكل الأشخاص العاقلين يتمنون إن كثيرا أو قليلا موت هؤلاء الذين يحبونهم.وهنا قاطعني المحامي وبدا عليه اضطراب شديد...غير أني أوضحت له أن من طبعي أن حاجاتي الجسمانية تعرقل كثيرا مشاعري.وفي اليوم الذي دفنت فيه أمي كنت متعبا جدا،وكان النوم يسيطر علي إلى درجة أني لم أنتبه إلى ما كان يحدث والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني كنت أفضل ألا تموت أمي "13.إن المحامي لم يستطع أن يفهم مشاعر موكله التي بدت له غريبة لأنه لم يستطع أن يكبح جماح رغباته الطبيعية يوم وفاة والدته.
تأكد للمحكمة خلال فترة الاستجواب أن –ميرسو- ذا سلوك شاذ وغريب .وظل يؤكد أنه ارتكب جريمته بمحض الصدفة وأنه لا يربطه بالشاب العربي أية علاقة. وكان يشعر بسعادة والآخرون يتكلمون عنه رغم استغرابه من أن الحديث كان عنه أكثر منه عن الجريمة . هكذا كانت نهاية –ميرسو-ونهاية رواية –الغريب- لآلبير كامي.الرواية التي أثارت الكثير من التساؤلات مست حتى –كامي-الإنسان ومدى إيمانه .
النص السينمائي الغريب:
انتقلت رواية-الغريب- إلى السينما إذن على يد المخرج الايطالي الكبير-لوتشيانو فيسكونتي-عام 1967 أي بعد وفاة –آلبير كامي- بسنوات قليلة.وكان قد رُشح الكثير من المخرجين لهذا الفيلم كالمخرج-لوسي-، ووقع الاتفاق أخيرا على-فيسكونتي-.
قدم-فيسكونتي- إلى –الجزائر- بين نوفمبر1966و فيفري 1967 وهي فترة تصوير الفيلم.وقد ورد الفيلم من بين ما قدمه الإنتاج السينمائي الجزائري حيث يرد التعريف به" الاقتباس من كتاب آلبير كامو يحمل نفس العنوان .اغتال مارصو جزائريا بسبب-الشمس- ويقف أمام المحكمة متهما على الخصوص بسلوكه المنافي للنظام الاجتماعي أثناء دفن والدته. المحلفون يقررون –إقصاءه عن المجتمع-ويطالبون بتوقيع عقوبة الإعدام عليه.يستسلم مارصو وهو داخل زنزانته في انتظار تنفيذ الحكم إلى أفكار فلسفية حول الوجود. هذا هو الموضوع الرئيسي للفيلم"14.
يبدأ الفيلم كما بدأت الرواية بحدث غير عادي يستقبله-ميرسو-أو –ماستروياني-في برقية تصل من الملجأ حيث وضع أمه لإخباره بموتها.وقد ظهرت المشاهد الأولى إذ تم تصويرها ببيت الروائي-آلبير كامي- بحي –بلكور- بالعاصمة الجزائرية. يتلقى الخبر بشعور عادي لا حزن فيه ولا تحسر،ومن هنا يبدأ الفيلم وتبدأ حكاية-ميرسو-.إذ يظهر في صورة رجل لامبالي ،بارد المشاعر لا يهتز للحادث الأليم .لم يذرف دمعا ولم يلق نظرته الأخيرة على والدته أثناء تواجده بالملجأ حيث ذهب لدفنها. يركض صباحا خلف –الأتوبيس- ليقله إلى-مارنجو- حيث جثمان والدته. وبعد الدفن يعود مباشرة إلى بيته ليدخن ويأكل. وهو ما شكل نظرة الارتياب والغرابة للمحيطين به.ولم يكتف بهذا فقد التقى ب-ماري-أو-آنا كارينا- في الفيلم والتي كان معجبا بها ،لترافقه إلى السينما في اليوم الثاني من عودته بعد دفن أمه ومرافقتها له إلى بيته وقضاء الليلة معا.
وبعد فترة يرتكب –ميرسو-جريمة قتل في حق جزائري اثر صدام بينهما وقد لعبت شمس –الجزائر-دورا هاما في كونها أصبحت بطلا ثانيا في الفيلم بعد ن أكد المتهم أن الشمس هي التي جعلته يفقد سيطرته ويطلق الرصاصات الأربع على الجزائري.
يقف-ميرسو- بعد ذلك في قاعة المحكمة وتأخذ قضيته بعدا آخر، إذ تركز المحكمة على سلوكاته التي رأتها منافية لقيم المجتمع بعد أن شهد عمال الملجأ وغيرهم بهذه السلوكات يوم دفن والدته.وتحكم المحكمة عليه بالإعدام .وفي انتظار تنفيذ هذا الحكم يتحدث-ميرسو-عن بعض القضايا تتعلق كلها بوجوده الإنساني والغاية منه وعقوبة الإعدام وأهمية الحياة والأشياء والناس مادام الموت سيأتي ليختم كل شيء.وهذه فكرة-كامي- دوما..ما قيمة كل شيء إذا كان الموت سيختم كل شيء.فلا شيء له أهمية، لا الحب ولا الحلم ولا شيء أبدا.إن كل شيء أعطي لنا ليستعاد ثانية"..نحن محكومون بهذا العالم الميت والمحدود..أو نحن نجري في الزمن.. أين كل شيء أعطي ليؤخذ..حيث آثار الإنسان المثالية، الحب أيضا لا يقول، الكتب كذلك، الحياة نفسها لها نهاية."15.
وهكذا فقد حافظ الفيلم على الرواية شكلا ومضمونا ،ويعود ذلك إلى أن السيدة-كامي- زوجة الكاتب قد طلبت من المخرج الحفاظ على الرواية كما هي ودون أدنى تغيير.وقد كان-فيسكونتي- ينوي أن يعطي للفيلم أهمية أكبر وأن يربطه بأحداث –الجزائر- آنذاك وخاصة على المستوى الثوري.وقد أكد الذين يفرقون بين الأدب والسينما على أن المخرج لو أخذ برؤيته كسينمائي لتمكن من صنع فيلم أكثر جمالا ،لأنه يبقى للسينما جمالها وخصوصيتها بعيدا عن النص الأدبي.
لقد أكد تاريخ السينما على أن الرواية من روافدها الهامة لما قدمته لها من نصوص صنعت مجدها .وما تزال تلك النجاحات العديدة لتلك الأفلام التي قامت على روايات مثل:-ذهب مع الريح- لمرغريت ميتشل،و-آنا كارنينا-لتولستوي،و-عناقيد الغضب-لستاينبيك،و-غادة الكاميليا-لدوماس وغيرها من الأفلام الناجحة عالميا .ولكن الذي أكدته الدراسات أنه ليست كل رواية قابلة للأفلمة، وأن الرواية شيء والسينما شيء آخر.كما أنه من حق المخرج أن يفرض رؤيته في الفيلم،لأنه قد يضحي ببعض الأدب لصنع فيلم جيد وهنا يقول المخرج السوري-نبيل المالح- بأن" خيانة النص الأدبي تؤدي أحيانا إلى صنع فيلم ناجح"16.
وعليه تظل النصوص الأدبية رافدا هاما للسينما، ويظل المخرج-فيسكونتي-من المخرجين الذين تركوا بصماتهم بمجموع أفلامه التي ظلت شاهدة على تاريخه السينمائي الطويل.
هوامش:-Jean de baroncelli, Un condottiere marxiste, Le monde 19/3/19781
Jacques Siclier.Le romantisme de la passion et de la décadence, Le monde13/3/1973.2
3-Georges Sadoul, Dictionnaire des cinéastes, Seuil.
4-كامي،آلبير،الغريب،المكتبة الثقافية،لبنان،بيروت1982،ص07.
5-الغريب، ص08.
6-الغريب، ص09.
7-الغريب، ص22.
8-الغريب، ص24.
9-الغريب، ص29.
10-الغريب، ص60.
11-الغريب، ص60.
12-الغريب، ص62.
13-الغريب، ص67.
14-الإنتاج السينمائي الجزائري، 1957-1974، وزارة الإعلام والثقافة، الجزائر، ص07.
15- Mélançon, Marcel J, Albert Camus Analyse de sa pensée,Suisse Les Éditions Universitaires de Fribourg,1976,p11.
16-المالح، نبيل، في حوار لي معه.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|