هو الشاعر والأديب سعيد بن مُسَلَّم بن سالم الملقب بالمجيزي والمكنى بأبي الصوفي، ولد في قرية الجيلة من أعمال ولاية سمائل بالمنطقة الداخلية عام 1281هـ، بدأ دراسته بقراءة القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة ،ثم درس علوم اللغة العربية المختلفة،بالإضافة إلى دراسة أشعار العرب القدامى،التي وسعت مداركه وأذكت من مواهبه فبدأ ينظم الشعر وشجعه على ذلك أساتذته وشيوخه،ثم أصبح مدرسا وأتقن علم الرسم وصار من الكتاب المشهورين.
شد بعدها الرحال إلى مسقط للكسب والرزق فاتخذه السيد بدر بن سيف بن بدر البوسعيدي أحد رجالات دولة السلطان فيصل بن تركي كاتبا له وذلك لجودة خطه وبلاغة تعبيره. وقد عاصر ثلاثة من حكام الدولة البوسعيدية أولهم السلطان فيصل الذي أصبح كاتبا ونديما له ومن بعده السلطان تيمور بن فيصل وقد زاد في تقربه وإكرامه وصار من المقربين له ومحل ثقته،ثم بعده السلطان سعيد بن تيمور. وقد كان ملازماً لهم لا يفارقهم حتى في أسفارهم ورحلاتهم وخاصة إلى ظفار والهند، وأسبغوا عليه من العطايا والهدايا،فجاء أغلب شعره في مدحهم وتسجيل أعمالهم وتدوين مآثرهم ومفاخرهم ووقائعهم وأسفارهم،ودافع عنهم بشعره في وجه كل من يتعرض لهم مهما كانت الأسباب إلى أن توفي بين عامي1370 /1372هـ.
"شعره"
ترك أبو الصوفي الكثير من الأشعار وقد طبع أول ديوان له وهو لا يزال على قيد الحياة عام 1356هـ/1937م بمدينة أوساكا باليابان بمطبعة دار الطباعة الإسلامية العربية، تحت اسم "الشعر العماني المسكتي في القرن الرابع عشر للهجرة النبوية" وهو حافل بمدح السلطانين/فيصل وابنه تيمور، وقد طبع على نفقة السلطان / تيمور بن فيصل الذي كتب له مقدمة تحث على نشر العلم وطباعة الكتب ونبذ التعصب والتفرق وازدراء التخلف و الجهل.
وأعادت وزارة التراث والثقافة طبع هذا الديوان عام 1982م مع زيادة بعض القصائد الأخرى بتحقيق الدكتور حسين نصار ولكنه للأسف يخلو من أي مقدمة تعريفية عن الشاعر ثم أعيد طبعه عام 2004 في مقدمة بسيطة لا تفي بالغرض ، وقد حدث بتر في بعض القصائد.
وأغلب شعر أبي الصوفي في مديح السلاطين - كما أسلفنا-وما جاء من غزل ووصف إنما هو مقدمة للمدح أو تخلص إليه، وتوجد له قصائد في الرحلات ووصف الطبيعة والرثاء وتخميسات عدة في أمور متفرقة.
وجاء اغلب شعره على النهج القديم للقصيدة بعيدا عن التعقيد وقريبا إلى السهولة والرقة،ولديه قدرة على الامتداد بالقصيدة خاصة القصائد التي قالها في الرحلات.
"ليالي الوَصْل"
أطلب الوَصْلَ وأيامي تَشِحُّ
والهوى يزدادُ والدمعُ يَسِحُّ
كم ليالٍ لم أذق فيها الكَرَى
أسْهَرتني لوعةٌ فيها وبَرح
ألمح النجمَ متى ما شمتُهُ
يا ليالي الوصل هل لي منك لمح
ظُلماتٌ بالدجى كم لي بها
زفراتٌ تقطع الأحشا وتلحُو
كأسُ شوقي بالحشا قد طفحت
ليت شِعري هل لكأسِ الوصل طَفْح
أغرقتني سُحْبُ عيني بالبكا
وبقلبي من سعيرِ الوَجْدِ لَفْحُ
كدتُ لولا أملي أقضي هوىً
يا أُهَيل الحُب هل للوعد نُجْحُ
طال ليلي في سهادٍ وبُكا
أمسحُ الدمعَ وما لِلسهد مَسحُ
كم أقاسي من همومِ الدهرِ كم
ليس بين الدهرِ والأحرارِ صُلحُ
إنما الدهرُ همومٌ وعنا
وحياة المرءِ في دنياه كَدحُ
لا يطيب العيشُ إلا لفتىً
قد تساوى عنده خُسْرٌ وربح
إنما الدهرُ صباحٌ ومساءٌ
وكلا هذين إغلاقٌ وفتح
ذلك الكونُ صروفٌ وفَنَا
وزوالٌ ثم ضيقٌ ثم فسحُ
نحن سَفْرٌ والليالي سُفُنٌ
كم لها في أبْحُرِ الأعمارِِ سبح
"ملِك"
ملِكٌ سَمَتْ فوق السما عَزمَاتُهُ
وَلطار فيها لَو أُعيرَ جناحا
جادَ الزمانُ وما أجاد بمثله
أتُراه يدركُ بعد ذاك سَماحا
قد كانت الدنيا وليس بجيدها
حُلْيٌ فقلَّدها الثنَا أوضاحا
لا ضَير إن شَحَّ السَحَابُ بمائه
فَيداه تمطرُ عَسجداً سَحَّاحا
عَلَمٌ بنته المكرماتُ وأوقدَتْ
في رأسه لمن اهتدى مصباحا
زانتْ بك الأيامُ فهي عرائسٌ
مَرِضَ الزمانُ فعُدنَ منك صحَاحا
زُفَّتْ وقد مُلِئَتْ سروراً مُذْ رأتْ
طيرَ الهناءِ بفضلكم صَدَّاحا
يا أيها الملِكُ الذي إنعامهُ
أضحى بها كَفُّ الندى مَنَّاحا
كُتِبَتْ دواوينُ المكارم منكمُ
صُحُفاً طُبِِعْنَ فأعيت الشُّرَاحا
فَغدا لسانُ الكونِ ينطق جهرةً
فمديحكم قد أفحمَ المُدَّاحا
"يا ليلةً"
يا ليلةً رقص الزمانُ بزهوها
وبِأنسها قد غَنَّت الأطيارُ
بتنا بها والأنسُ يعتنق الهَوى
وبِكفها تنتاشنا الأسحار
والنجمُ يرمقُ من وراءِ غمامةٍ
والصبحُ كَرَّ وللظلام فرارُ
والطيرُ يهتفُ بالهديلِ تَرَنُّماً
فكأنما نَغَماتها مزمار
والروضُ أزهرَ والغصونُ تفتَّحَتْ
أكمامُها فبنفسجٌ وعرار
والطيرُ ينثرُ بالأزاهر لؤلؤاً
والوردُ في كَفِّ النسيمِ يُدارُ
طفحَ السرورُ وهَبَّ بَرد نسيمه
والصبحُ أسفرَ ما عليه غبارُ
وغدا الدُّجى بَيدِ الصباحِ ممزقاً
لما بدا وتفرَّقَ السُّمَّارُ
"تذكار الأحبة"
قلبٌ لتذكارِ الأحبةِ قد صَبا
فكأنه سعفٌ تهاداه الصَّبا
تُدْنيه من أرج التواصلِ نفحةٌ
وتصدُّه ريحُ الصدودِ تَنكُّبا
فيظلُّ بين هوىً وبين نوىً وبين
جوىً وبين تلَهفٍ متقَلِّبا
طوراً يشيبُ به الغرامُ،وتارةً
يهمي عليه الدمعُ مُزناً صَيِّبا
فكأنه والشوقُ تذكو نارهُ
لهبٌ تطاير بالحشا أيدي سبا
عجباً لجريان الدموعِ ومهجتي
تَصْلَى بنيرانِ الفراقِ تَلَهُّبا
كلتاهما نارٌ توقَّدُ بالحشا
هذي لِتَنْضُجَ والدموعُ لتنضبا
مالي وما للدهر أطلُبُ وصْلَهم
فيَصدُّني ويرى التفرقَ مذهبا
بالله عَرِّجْ يا أُخيَّ إذا بدتْ
لكَ بالنَّقا تلك المرابعُ واندُبَا
فهناك روضُ الحسنِ أزهرَ عودُه
فانزلْ - فديتُك - سائِلاً مترقِّبَا
فلعلَّ أن يرنو إليَّ أحِبَّتي
ولعلَّ أن يدنو إليَّ فأقربا
وارفقْ فديتُك صاحبي أو ما ترى
بين المرابع مهجتي طارتْ هَبا
"ساقي الهنا"
قم بالغدو وأتْرِعِ الأقداحا
واشربْ على نَغَمِ الهناءِ الراحا
والثم بنفسج ثغرها مشمولةً
أرجَ الهناءِ فلم يزل نَفَّاحا
وانعش بكأس الراحِ روحَ حياتنا
أو ما ترى ساقي الهنا مرْتاحا
نشوان من طرب السرور وهكذا
كأسُ المسَرَّةِ لم يزل رَنَّاحا
قم فاسقنيها إن تشا ممزوجةً
ماء الحياةِ وإن تشا فقُراحا
رَقَصَتْ لياليه فبتنا نجتلي
وَجه البشائر غدوةً ورواحا
قَطَفَتْ يدُ الأفراحِ زهرةَ أُنسها
فغدتْ تفوح بِنَفْسجاً وأقاحا
رَقَّ الزمانُ لطافةً فكأنما
نثر السرور بِصَحنهِ أفراحا
وَزَهَتْ عروسُ البِشرِ تحت بهائها
فتخالُ من فرطِ الدلالِ ردَاحا
خَلَعَتْ ليالي الدهرِ حُلَّةَ نَسْجِها
وتَلَبَّسَتْ سعدَ السعودِ وشاحا
وَسَختْ أيادي السُّحب تُمطر بالحيا
فرحاً وكُنَّ بوبلهن شحاحا
أُنسٌ به رقص الزمانُ ومن به
وبِنَشره أرَجُ البشائر فاحا
"طعم الصَّبابة"
بين المرابع لي هوىً وشؤون
إن الغرامَ صَبابةٌ وشجون
قسماً بكم يا سادتي وبحبكم
ما خنتُ في عهدي وَلستُ أخون
إن تطلقوني في الهوى فأنا الذي
بهواكمُ طالتْ عليَّ سجونُ
وَلئِن وفيتم بالصدود مَطالبي
بَقيَتْ عليَّ من الوفاءِ دُيُونُ
فهواي فيكم والفؤاد ومهجتي
كيف الخلاصُ وكلهُن رهُون
ما حلتُ عن نهج الهوى لو صدني
عن قطعه وَعرُ الجفا وَحزون
غرس الهوى في مهجتي زرع الوفا
فلذاك عَهدي ثابِتُ وَمكين
فإلى متى ذا البُعد يا لمودتي
فالهجرُ قتلٌ والبِعاد منون
أو ما طعمتم ما الهوى وعلمتم
إن الهوى مثل الجنون فنون
لو ذقتم طعمَ الصَّبابةَ والجوى
لعلمتمُ كيف الغرام يكون
"تيهي ظفار"
تيهي ظفار فقد شُرفت كمثلما
تيمور قد شرفت به الأيام
أصبحت في روض السعادة ترتعي
والناس في أمن المليك نيام
والعز في مثواكِ أضحى راتعاً
وعلى حصونكِ تُنشر الأعلام
أمسيتِ في وجه الممالكِ غرةً
وذوُوْكِ في فلكِ السُّعود قيام
فالقِ الزمامَ بكف أروع باسلٍ
فيمينه لك حارسٌ وزمام
قد كنتِ كالرعديد مرتعد القوى
ينتاشكِ الضيؤون والضرغام
حتى أتاك أبو سعيد فاستوت
بأمانه الأوهادُ والآكام
فظباك في أنسِ الكناس أوانسٌ
والطيرُ في وكناتهن نيام
فليهنَ قطرك يا ظفار بمربعٍ
لأبي سعيد طال فيه مقام
ملكٌ أرق من النسيم خلائقاً
وَأشدّ خُلقاً إذ يكون خصام
لا يحذرنَ من المخاوف جارُهُ
أبداً وليس أخو الجوارِ يُضَام
أندى من المطرِ الملثّ نداؤهُ
وَأجل مهما عدَّتْ الأوهام
وأحدّ من نظر العليم ذكاؤُه
فتحار من تخمينه الأفهام
"يا عاذلي"
وإذا الحبيبُ سقاك كأسَ صدوده
فامزجه صبراً علَّ كأسَكَ يَعْذُبُ
وعلى سبيلِ رضى الأحبةِ فاستقمْ
لو عن وصالِك أعرضوا وتجنَّبوا
فلرُبَّ سانحةٍ تَمُرُّ عَشَّيةً
ولعلَّ رَبْعَكَ بعد جدبِكَ يُخْصِبُ
إن المحِبَّ وإن تباعدَ ساعةً
فلربما بعد التباعد يقربُ
إن لم يكنْ بالصبر أغتبقُ الجفا
فبأي كأسٍ من هواكم أشربُ
فالشوق يجذبُ زَفرتي فأرُدها
خوف الرقيبِ لزَفْرتي يترَقَّبُ
يا عاذلي والعذلُ مَجْلَبة الضَّنى
إن الجفا بعد التواصُلِ يَصْعُبُ
لو كنتَ تدري ما حملتُ من الهوى
لَعَلِمْتَ أن الحبَ أمرٌ مُتعِبُ
يا مُتْلِفِي بالهجرِ حَسبُكَ ذا الجفا
فالحبُّ يقتلُ والتجافي يَسْلُبُ
إن الغرامَ إذا تحَكَّم بالفتى
فهو البلا إن لم يجد ما يَطْلبُ
المصادر:
1-الأدب المعاصر في الخليج العربي،عبد الله الطائي،معهد البحوث والدراسات العربية،مصر،1974.
2-الشعر العماني المسكتي في القرن الرابع عشر الهجري،ديوان أبو الصوفي،دار الطباعة الإسلامية العربية،أوساكا،اليابان،1356هـ/1937.
3- الموجز المفيد نبذ من تاريخ البوسعيد،حمد بن سيف البوسعيدي،مطبعة عمان ومكتبتها،الطبعة الثانية،1995.
4-الزمرد الفائق في الأدب الرائق،محمد بن راشد الخصيبي،وزارة التراث والثقافة،الطبعة الثانية،2006.
5- ديوان أبو الصوفي،سعيد بن مسلم المجيزي،تحقيق د.حسين نصار،وزارة التراث والثقافة،الطبعة الثانية،2004.
6- شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، الجزء الأول ،محمد بن راشد الخصيبي، وزارة التراث والثقافة،1989.
7- شعراء عمانيون،سعيد الصقلاوي،مطابع النهضة،الطبعة الأولى،1992.