أبو سلام الكندي.... شاعر الاستنهاض
عمان :
إعداد - سالم بن ناصر العياضي :--
هو الشاعر والأديب أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي،ولد في ولاية نزوى عام1292هـ /1875م‘تعلم أولا عند أبيه الشيخ سعيد بن ناصر الكندي، ومنذ صغره أظهر الشاعر فطنة وذكاء عند شيوخه الذين تلقى عنهم الفقه والتفسير، فضلا عن اللغة والأدب اللذين شغف بهما حتى استحكمت في يده أعنتهما وملك قيادهما.
وقد نشأ أبو سلام في أسرة علمية فوالده الشيخ سعيد بن ناصر من العلماء المشهود لهم في زمانه، وأخوه عيسى بن سعيد كان شاعرا، وابنا عم أبيه سليمان وعبدالرحمن ابنا محمد بن أحمد كانا أيضا شاعرين.
انتقل الشاعر من نزوى إلى بوشر بمحافظة مسقط بصحبة والده وسكن بها فترة، وظل متنقلا بين بوشر والعامرات، حيث اتخذها أبوه سكنا جديدا بعد أن اشتراها وعمرها وأجرى فلجها وسماها العامرات بعد أن كانت تسمى «المتهدمات»، وظل يتنقل بين عدة بلدان واستقر به الأمر في آخر عمره في نزوى عندما كبر في السن وثقل عليه التنقل إلى أن توفي بها عام 1379 هـ/1960م.
«شعره»
تفجرت قريحة الشاعر وهو ابن أربعة عشر عاما،وطرق معظم أبواب الشعر وفنونه،لكن الجانب الاستنهاضي والإصلاحي والوطني يظل السمة الغالبة على شعره ،لذا نجد أن جل شعره أوقفه على هذا النوع، فهو يدعو إلى نهضة علمية حضارية توحد أبناء الوطن إلى أسمى الأهداف، وتفك عنه قيوده، لتعود عمان إلى أوج عزها وازدهارها
وعندما زار عمان المصلح الليبي المعروف سليمان باشا الباروني عام 1342 هـ -الذي كان من الشخصيات البارزة في الإصلاح والجهاد ومحاربة الاستعمار- كان أبو سلام من المرافقين له في جولاته في داخلية عمان، وجادت قريحته بعدد غير قليل من القصائد مرحبا بالضيف الكبير في أكثر من مكان نزل فيه، وذاكرا مآثره ومنهجه الإصلاحي، وحاثاً أهل عمان للاستماع إلى نصائحه وإرشاداته واتباع منهجه.
أما في جوانب الشعر الأخرى فله قصائد في الغزل والنسيب والوصف والرثاء ومدائح الأئمة والعلماء، وقد حوى الكثير من قصائده ديوان شعر يسمى «نشر الخزام» وهو لا يزال مخطوطا عند أحفاده.
كما أن له أسئلة وأجوبة نظمية مجموعة باسم «المنهج والصواب في السؤال والجواب» ولا يزال أيضا مخطوطا.
«نزح الدمع»
نزح الدمع من العين بكاها
إذ غدا القلبُ أسيراً في هواها
فطلبتُ الوصلَ منها فانثنت
تتهادى وهي تمشي خيلاها
سفَرَتْ عن وجهها فانبلجتْ
شمس حسنٍ تتللأ بسماها
علَّمتني السحرَ من مقلتها
إذ رمتْ أسهمها عن مقلتاها
وأرتني الوردَ من وجنتها
خجلاً فأحمر منه وجنتاها
فنظمتُ الدُرَ من لآلئها
ورشفتُ الراحَ من بين شفاها
هجم الليلُ علينا عندما
أسبلتْ من شعرها ليلَ دجاها
هجرتني ليت شعري ما الذي
كان هذا الهجر يا ذا فسلاها
«بتُّ ليلي»
بتُّ ليلي مقاسياً للهموم
أرقب الفجرَ من مجاري النجوم
طال ذا الليل لم أجد فيه صبحاً
هاديا ضوؤه لكشف الغموم
مدَّ روقيه بين شرقٍ وغربٍ
بتُّ أشكوه ساهراً كالسليم
أمرضتْ قلبي الهمومُ فمن لي
بطبيبٍ يجيد برءَ السقيمِ
من ترى مرشدي إلى الحقِ هادٍ
وهماماً يزيل عني همومي
طرقتني حوادثُ الدهرِ حتى
جرَّعتني من ريقها بغموم
إن عصراً نشأتُ فيه لَعصرٍ
أصبح الوغدُ في مقام الكريم
وبغاثُ الطيورِ أضحتْ بزاةً
والضواري تصطاد وسط الحريم
ذهبتْ غيرةُ الرجالِ وعادتْ
شِيَمَُ الناسِ في الضلالِ القديم
يا بني العُرب في عمان أفيقوا
إنما السُّمُ كامنٌ في الدسوم
لا تظنوا بالجهلِ درك المعالي
لا ولكنها بنشر العلوم
«عُمان»
عُمان انهضي واستنهضي الشرق والغربا
ولا تقعدي واستصحبي الصارمَ العضبا
عمان انهضي واستصرخي كلَ باسلٍ
كميٍّ يُجيد الطعنَ والرميَ والضربا
عمان انهضي إنا رجالك همُّنا
طلاب العلا ما نبتغي غيره كسبا
عمان انهضي إنا على الصدق والوفا
ونحن أباةُ الضيم لا نرتضي السبَّا
عمان انهضي إن السيوف بغمدها
تئنُّ وقد أضحتْ تطالبنا حربا
أميطي قناعَ الذلِ عنكِ فإنما
حبائلُ أهل البغي قد نصبت نصبا
فكم لكِ في التاريخِ من قدمٍ رسا
وكم لكِ من فخرٍ ملأتِ به الكتبا
ضممتِ إليكِ الهند والسند بُرهةً
ونازعتِ كسرى الفرس قِدْما وقد لبَّا
وطاردتِ جمعَ البرتغال فأصبحتْ
رجالهُمُ أسرى وأموالهُم نهبا
بنوكِ بنوكِ العربِ هم أرغموا العدا
فكمْ هزموا جيشاً وكم كشفوا كربا
وهمْ دخلوا افريقيا الشرق واحتووا
ممالكها واستسهلوا الوعرَ والصعبا
«أحبابنا»
عهدي بهم والأنسُ جامعُ شملهم
واليوم أصبح ربعُهُم متغيرا
ساروا ولا أدري لأية حالِهم
فوقفتُ أقفو أثرَهمْ متحَيِرا
أحبابنا هلْ عودةٌ فلطالما
حُرِمَتْ جفوني بعدكم سِنة الكرى
إنِّي وإن شطَّ المزارُ فذكركم
باقٍ بقلبي غيرُ منفصم العرى
وإذا ذكرتُ هواكُمُ عن غيركم
فكفى بجسمي أن يكون مخبِّرا
وإذا أردتُ سلُوَّكم عن خاطري
شهدتْ دموعي كيف لي أن أُنكِرا
آهٍ على أيامِ أنسٍ قدْ مضتْ
يا ليتها عادتْ لِتُمطِرَ ما جرى
عودوا عليَّ ولو بطيفِ خيالِكم
ليعود لي عودُ الشبيبةِ أخضرا
دعْ يا عذولي ما تقول فإنني
عن حبهم لا أستطيع تصبرا
مالي وللكتمانِ عنهم، والهوى
بين الجوانح تارةً قد أسعرا
«وطني العزيز»
لهفي على الوطن العزيزِ أُضِيعا
وشريف قومٍ صار فيه وضيعا
لهفي عليه لو يفيد تلهفي
أجريتُ من بعد الدموع نجيعا
لهفي على الأيامِ كيف تبدَّلت
هلا يعُدنَ كما مضينَ رجوعا
وطني العزيز لأنت أشرف موطنٍ
قد كنتَ غيثاً ممرعاً وربيعا
قد كنتَ يا وطني مطاعاً في الورى
واليوم يا وطني أراك مطيعا
قد كنتَ كهفاً للمُضامِ وملجأً
للخائفين ومن يلوذ شفيعا
أبناء عصرك ما رعووا لك حرمةً
خانوا فأصبح ملكهم منزوعا
أين الرجال الأكرمون وأين من
كانوا بعهدك ركعاً وخشوعا
أين الأساطين الذين نفوسهم
شرفت وعَزَّتْ أكهلاً ورضيعا
كانت عمان بهم تفاخر غيرها
وهم لها يوم الرهان دروعا
«رجال العلم»
يقولون ما للقلب منك تغيرا
وما هذا الدمع منك تحدرا
أمن ذكر أيام الشبيبةِ والصِّبا
تأثرت أم ذكرى أميمة أثَّرا
فقلتُ لهم لا فاعذروني فليس ذا
ولكنما هذا الزمان تغيرا
وجدتُ رجالَ العلمِ فيه تقاعسوا
أحبوا انزواءً بالبيوتِ تَسَتُّرا
فبعضهم أضحى يطالب ثروة
يعيش بها بين البرية موسرا
وبعضهم ما هَمُّهُ غير أنه
يجيب سؤالا في المحيض وما درى
ومنهم غدا يرضي الأنام تقيةً
يظن بها يحيا سعيدا مظفرا
فمن نكد الأيامِ أضحى يسودنا
ذوو الجهل إذ صفو الزمان تكدرا
ولو أن أهل العلم لله أخلصوا
لما كان ذو جهلٍ علينا تآمرا
ولكنما الأطماع ذلَّت رقابُهم
فصرنا بهذ العصر نمشي إلى الورا
يظنون أن الزهد في العلم مدحةٌ
فهيهات بل جهلاً أرى وتَحَيُّرا
«أعالي الربوتين»
أبرقٌ من أعالي الربوتين
يلوح سناه ملء الخافقين
يسوق سحابه غيثاً فيسقي
بصَيِّبِه رؤوسَ الواديين
فتصبح أرض نزوى في سماطٍ
مدبجةً تروق لكل عين
أيا برق اللموع بجنح ليلٍ
على الحوراء جز واسقِ الدُنين
وأفعم بطن واديه المفدى
بسلسالٍ يرَوِّي الجانبين
فيضحى جانباه في ابتهاجٍ
وفي طربٍ يباهي الجنتين
كأن الماء يجري وهو صافٍ
خلال الصخر أعمدة اللجين
ويبسم زهرها عن جلنارٍ
وعن وردٍ كلون الوجنتين
المصادر:
1-الأدب المعاصر في الخليج العربي،عبدالله الطائي،معهد البحوث والدراسات العربية،مصر،1974. 2 - دليل أعلام عمان،السعيد محمد بدوي وآخرون،المطابع العالمية،الطبعة الأولى،1991.
3-شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان ،الجزء الأول ،محمد بن راشد الخصيبي،وزارة التراث والثقافة،الطبعة الثانية،1989.
4 –شعراء عمانيون،سعيد الصقلاوي،مطابع النهضة،الطبعة الأولى،1992.
5-غاية السلوان في زيارة الباشا الباروني لعمان،د.سعيد الهاشمي،مطابع النهضة، الطبعة الأولى،2007.
6-معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية(قسم المشرق)،الجزء الثاني،فهد بن علي السعدي،مكتبة الجيل الواعد، الطبعة الأولى،2007.
7-نزوى عبر الأيام،معالم وأعلام،ناصر بن منصور الفارسي،مطابع النهضة،1994.