جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
04-10-2010 02:31 PM
السلطنة :من دبي – سماء عيسى وعبدالله حبيب
إذا كان المفكر الإيطالي الفَذّ ريتشيوتو كانودو قد ابتدع مفهوم "الفن السابع" في مخطوطة مقالة كتبها في 1912 حين كانت السينما لا تزال طفلاً يحبو، ولكنها لم تنشر إلا في 1923 (وهي – للمفارقة – ذات سنة وفاة كانودو)، فإن الشاعر والسينمائي الفرنسي الاستثنائي جان كوكتو قد وصف السينما بأنها "the tenth muse" أو – ضمن معانٍ أخرى -- عاشِرةُ الإلاهات التسع الشقيقات اللائي يحمين الشعر، والغناء، والعلوم، والفنون، في الميثولوجيا الإغريقية. لقد أسقط في أيادينا وأصابنا الاحتيار بين "سابع" كانودو و"عاشرة" كوكتو؛ ولذلك قررنا حسماً للأمر أن نجمع الرقمين ونَصف الحفل الافتتاحي الاحترافي والمنظَّم وغير المُرائي للدورة الثالثة من مهرجان الخليج السينمائي الذي يعقد الآن في دبي (من 8 إلى 14 من الشهر الجاري) بأنه بديعٌ سبع عشرة مرة بوصفه ضرورة تاريخية جاءت تتويجاً لتراكمات متفرقة ومفارِقة، وبديع بوصفه مشروعاً ثقافياً يتنامى نجاحه وإصراره وتتوطد سمعته، وبوصفه مناسبة فنيَّة مهمة، وبوصفه حضور وجوه بارزة (وأعضاء أخرى من الجسم السينمائي في غير قليل من الحالات) في غاية الجمال والتأثير.
ومقارنة بالدورة السابقة من المهرجان فإن المشاركة العمانية في الدورة الحالية تعتبر كبيرة (أربعة عشر كادراً) مما يشكل مؤشراً إيجابياً من الناحية المبدئية "في وصف حالتنا" سينمائياً. وتتمثل تلك المشاركة في سماء عيسى وفيصل العلوي (من اللجنة الإعلامية للمهرجان)، والسينمائيين الشباب الذين لعل بعضهم يخرج من "المُولد ببعض الحُمُّص" في شكل جوائز، عامر الرواس (الذي كان فيلمه الجريء "بيلوه" قد فاز بإحدى جوائز الدورة الأولى من المهرجان ضمن فئة الأفلام القصيرة) والذي تنبغي الإشادة بجهوده الذاتية الكبيرة في عقد ورش عمل سينمائية لطلبة كليات العلوم التطبيقية، جاسم البطاشي، المعتصم الشقصي (الذي كان فيلمه الواعد "القنت" قد فاز بإحدى جوائز الدورة الثانية من المهرجان ضمن فئة أفلام الطلبة)، مزنه المسافر، مريم الغيلانيَّة، محمود البيماني، سلطان الحسيني، عبدالله المقيمي، خالد الكلباني، أمجد الهنائي، خميس أمبوسعيدي، وعبدالله حبيب (من اللجنة الإعلامية للمهرجان).
فبعد طقس المشي على السجادة الحمراء اقتعد أربعمائة وأربعون مدعواً رسمياً أماكنهم في صالة عرض المهرجان الكبرى حيث أعلن مقدما حفل الافتتاح عن فعاليات المهرجان التي ستشمل هذا العام عروضاً مجانية لمائة وتسعة وأربعين منها مائة واثنين وتسعين فيلماً من دول الخليج، وعرض ستة عشر فيلماً للمخرج الفرنسي المتميز فرانسوا فوجيل الذي هو من ضيوف المهرجان، وعرض أفلام للأطفال، وعقد ورشة عمل لمدة يومين عن دور المنتِج السينمائي، وإقامة معرض تجاري للشركات والمؤسسات والمعاهد السينمائية بغرض إتاحة الفرصة لمن أراد لاستكشاف فرص دراسة السينما أو إنتاجها، وإقامة حلقات نقاشية ونقدية سينمائية تبدأ بعد آخر العروض الليلية وتستمر حتى الصباح الباكر يشارك فيها المدعوون للمهرجان، والتي منها محور "إشكاليات النقد السينمائي العربي" الذي يساهم فيه فيصل العلوي وعبدالله حبيب، ومحور "مهرجان الخليج السينمائي: تساؤلات!" الذي يساهم فيه عبدالله حبيب، ومحور "تجربة السينما في الخليج" التي يديرها عبدالله حبيب. وقد أثلج مقدما حفل الافتتاح الحاضرون حين أعلنا ان خمسين فيلماً قصيراً وطويلاً ووثائقياً خليجياً من الأفلام التي شاركت في الدورتين السابقتين من المهرجان قد عرضت في الكثير من المهرجانات السينمائية حول العالم، مما يعتبر مؤشراً واضحاً على ان السينما الخليجية لم تعد مجهولة.
بعد ذلك ألقى الفاضل عبدالحميد جمعة رئيس المهرجان كلمة تحدث فيها عن الدور المحوري للمهرجان في ترسيخ السينما الخليجية وتعزيز مكانتها اللائقة بين قريناتها في الوطن العربي وحول العالم. ثم أعلن المتحدث عن الرموز السينمائية الخليجية المكرَّمَة في هذه الدورة من المهرجان تقديرا لأياديها البيضاء في خدمة الفن السابع في المنطقة، وهي الممثل والمخرج السينمائي العراقي المخضرم خليل شوقي، والفنانة والكاتبة الإماراتية رزيقة الطارش وهي من رواد التمثيل في الإمارات، والممثلة والكاتبة الكويتية القديرة حياة الفهد التي ارتبط اسمها بأول فيلم سينمائي روائي خليجي طويل "بَسْ يا بحر" للمخرج الكويتي خالد الصديق والذي عرض جماهيرياً للمرة الأولى في مارس 1971. بعد ذلك تم عرض ثلاثة أفلام وثائقية قصيرة عن المكرَّمين تحثوا فيها عن تجربتهم مع السينما. ثم قام الفاضل محمد المر نائب رئيس مجلس إدارة هيئة دبي للثقافة والفنون يشاركه رئيس المهرجان بتقديم الجوائز التكريمية للرموز الثلاثة، وقد تأثر الحاضرون حين بكى خليل شوقي – الذي بلغ من الحياة خريفها متمنين له العافية والعمر المديد -- امتناناً وهو يتسلم جائزته. وقد ألقى المكرمون الثلاثة كلمات عبروا فيها عن تقديرهم البالغ للتكريم الذي أثبت أن جهودهم التأسيسية الرائدة والصعبة لم تذهب أدراج الرياح.
بعد ذلك ألقى الفاضل مسعود أمرالله عبدالحميد كلمة قال فيها ان ما كان حلماً قبل ثلاث سنوات لإنشاء بيت سينمائي خليجي قد أصبح اليوم حقيقة وأمرا واقعاً. ثم تم الإعلان عن لجنة تحكيم المهرجان لهذه الدورة في مختلف فروعها وتشمل: د. بدرية البشر، د. أمينه عبدالله بوشهاب، وداد الكواري، جيلالي فرحاني، محمد الظاهري، خديجه السلامي، إبراهيم سالم، وماثيو داراس. ثم ألقى المخرج الإماراتي علي مصطفى الذي اختير عمله "دار الحي" ليكون فيلم عرض الافتتاح كلمة قصيرة أعقبها عرض الفيلم الذي تدور أحداثه في مدينة دبي المعاصرة. ويمكن تقريباً اعتبار الفيلم من التيار السينمائي المعروف بـ "فيلم المدينة" لولا ان جهداً أكبر كان مطلوباً من أجل تحويل مدينة دبي إلى شخصية حيَّة عوضاً عن أن تكون فضاء مكانيا جامداً للشخصيات والأحداث. غير ان الفيلم الناطق بالعربية والأوردية والإنجليزية (بلكنات مختلفة) يحسب له واقعيته وجرأته اللفظية والحبكيَّة في "تعرية" المدينة وخاصة النصف الفارغ من كأسها زواياها المعتمة مثل حياتها الليلية والظروف اللاإنسانية والاستغلال الذي يتعرض له من يعيشون في قاعها وعلى هوامشها، وذلك عبر سرد ديموقراطي متكافىء لشخصيات من جنسيات مختلفة تتوازى فيه الأحداث، ثم تتقاطع، ثم تفترق لتعود للالتقاء مجدداً. وعبر هذا نجح المخرج في كسر مفاهيم تقليدية مثل "البطل" و"الشخصيَّة الخيِّرة" مقابل "الشخصية الشِّريرة". كما كان من اللافت للنظر في الفيلم الاقتصاد السردي الذي دعم عنصر التشويق (يبدو ان المخرج قد شاهد الكثير من أفلام هيتشكوك)، وإن كان هذا الاقتصاد قد ارتبك أحياناً في القطع الزمني غير المبرر الذي لعل مما يعوضه الاستخدام الاحترافي لتقنيات التكثيف المجازي التي كان أقواها "لقطة الرافعة إلى الأعلى" التي اختتمت الفيلم حيث ترينا المدينة نفسها بالتدريج من مكان ما في حي فقير يجاوره أفخر شارع ومبانيه اللامعة الشاهقة في المدينة. كما انه يؤخذ على "دار الحي" انه لم يستطع التخلص من بعض "لازمات" السينما الأمريكية والهندية المعياريتين. غير ان الجرأة الثيماتية للفيلم ونوعيته الإنتاجية غير المتقشفة تؤكدان لنا انه من أجل سينما خليجية متميزة لا بد من الحرية والصراحة، ولا بد أيضاً من "شويّة فلوس"!.
الوفد السينمائي العماني في صورة تذكارية مع مدير المهرجان مسعود أمرالله عبدالحميد
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|