اللهم اغفر له وارحمه وابدله دار خير من داره واهل خير من اهله واجعل قبره روضة من رياض الجنه امين
ارتقاء الروح .. رحيل الكاتب علي حاردان
محمد الشحري
لمن تنتحب الأقلام؟! لمن يذرف هذا القلم آخر دمعاته؟!، لمن هذه الروح المحفوفة بالملائكة والصاعدة إلى السماء في الظهيرة؟!، لا أعرف من أين أبدأ، ولا أدري ما أقول؟، في رحيل الأستاذ الصديق والشاعر علي بن سهيل حاردان، فسبحان من تفرد بالخلود والبقاء، وكتب على مخلوقاته الموت والفناء، ولم يسلم منه الملائكة والأنبياء، تلك هي مشيئة الخالق، حقا أن كل نفس ذائقة الموت، وسأقول ما قاله(لوركا): «أريدهم أن يدلوني أين يوجد ذلك الطريق الذي يفضي إلى هذا القائد الذي كبلته أغلال الموت».
إن الموت هو الباب المؤدي إلى حياة أخرى، وقد تكون هجعته أرحم من حياة مؤلمة حافلة بالنكسات والنكبات والآلام، كانت روح علي سهيل تقطن جسما كما لو كانت سجينة فيه، وها هي تستعيد أصلها بعد الموت. كان علي حاردان يتوقع القدر وقد تحصن في مواجهة هجماته السرية، فلم يكن مستسلما أو أسيرا للأقدار، وحينما حان موعد رحيله المباغت عن الحياة، بصق على الدنيا احتقارا لها.
نفسك يا صديقي ويا أستاذي لن تفنى في يوم الوفاة ولن تنتهي فور انفصالها عن الجسد أو تتلاشى في العدم، نفسك يا(أبا سعيد) ستظل متمتعة بالقوة والفطنة بل أكثر نقاءً وأكثر نبلا كما كانت في الحياة، تلك النفس البسيطة لا يمكن أن تتغير أو تبدأ أو تنتهي، لأن جوهر الأشياء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم إنه الخلود كما يقول(أفلاطون).
برحيل الكاتب والشاعر والإنسان علي حاردان، تغادرني المسرات ويلوح في الأفق شبح البكائيات الكربلائية، فلم يكن صديقا فحسب ولم أعده في أعداد العاديين، بل هو أكثر من ذلك، كان أخا وأستاذا ومرشدا وناصحا، فحين يلف عنقي الخناق اليومي للحياة، ألوذ بمكتبه حيث يقضي سويعات الضحى في القراءة والكتابة والتأمل متابعا حلقات دخانية من غليونه، ولا أدري منذ متى أصبح رفيقه.
حينما أدخل مكتبه ألقي السلام عليه فيرد «وعليكم بعضا منه»، فأعرف أنه متفرغٌ للحوار، وإن رد بغير ذلك أدرك أنه يمارس طقوس الكتابة، ألتزم الصمت كي لا أفسد على الناسك عبادته، أنتظره ريثما يفرغ من استرسال أفكاره على الأوراق البيضاء بقلم جرئ مرتجل، وبعدها يبدأ الحديث والتعليقات والضحكات.
لم توجد الصدفة لحظة تعارفنا ولم تعارضها الأقدار، ففي يوم ما، أقامت المدرسة التي أعمل بها حفلا مدرسيا، فقمت بتغطية الحدث وأرسلته لقسم الإعلام التربوي بالمديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة ظفار، لأفاجأ بعد أيام بنشر الخبر تحت اسم صحفي آخر متعاون مع الجريدة، جئت لمكتب الجريدة بصلالة كاظما غيضي معاتبا على تلك الحادثة التي تعرفت فيها على علي حاردان وكان وقتها مسؤولا عن شؤون المراسلين، وقد شجعني بعد ذلك على النشر في الصفحة الثقافية للجريدة، كما نشرت مادة في مجلة الخريف التي تصدرها مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان بداية كل خريف، وكنت دائما ضمن مجموعة علي المكلفة بتغطية الفعاليات والمناشط الثقافية في مهرجانات الخريف، كان الفقيد يشجعني ويأخذ بيدي وينصحني وكان آخرها قبل وفاته بأسبوع قائلا: «حاول ألا تقع في التصنيفات» وكأنه يريد أن يقول «لا تكن إلا ذاتك ولا تترك الآخرين يحشرونك في تصنيفاتهم الضيقة» نفسٌ وجودي لمسته في لقائي السريع به في أحد المقاهي بسهل إتين، وهناك تحدثنا في أمورٍ كثيرة، ومشاريع مستقبلية لا أرى مجالا لذكرها هنا، لم يكن علي حاردان يفكر في الموت زفآخر ما يفكر فيه الرجل الحر هو الموت، لان حكمته ليست تأملا للموت بل تأمل للحياةس كما يقول المفكر(اسبنوزا).
أذكر أنني سألته عن مقالاته وهل يفكر في ضمها وإصدارها في كتاب؟، فرّد أن تلك المقالات ما هي إلا لتسجيل المواقف، ولكني أفكر في كتابة تجربتي الكتابية لتكون أقرب للسيرة الذاتية، لكن (أبا يحيى) اختطف علي دون أن يمهله لكتابة تجربته الذاتية، فبرحيله يفتح الموت عليّ مسارب البؤس والأحزان، نعم كان لقائي به هو آخر فصول اللقاءات التي انقطعت بسبب ظروف دراستي في الخارج، ولكني حين أعود لا يهدأ لي بال حتى أعرّج على صاحبي، كما كنت على اتصال به من حيث أُقيم، في حديثه الأخير تفاؤل لم أعهده فيه من قبل، أذكر أن الحديث أوصلنا إلى السينمائية اللبنانية (هيني سرور) مخرجة فيلم (برأ استعمار) في منتصف سبعينات القرن الماضي، فإذا به يُكمل المقطع بلحن بكائي حزين زبرأ استعمار برأ، من أرض الأحرار برأس التفت إليّ وقال: هذه أغنية الفنان اليمني (محمد محسن عطروش)، حينما أُذن للصلاة بعد مغيب شمس الأربعاء 14 مايو، أمّ بنا الصلاة، وبعدها تركناه في المُصلى يُسبّح ويركع ويسجد، وانضم إلينا بعد ذلك مكملا حديثه ليقول: «إنني متفائل بشباب قادم لهذه الأمة»، استأذنت منه فقال لي «بيننا لقاء» لكن طال انتظار اللقاء، فوداعا يا من حملتني حب هذه الأرض وتلك الأطلال، وداعا يا من عرّجت روحه من ضلكوت إلى السماوات العُلى في عتمة الغياب الأبدي، أبحرت يا صديقي إلى ضلكوت، وهناك احتضرت روحك وغادرت الجسد الذي ضمه ثرى مدينتك التي طالما أحببتها وحبّتك.
وسأقول لك ما ورد في نص رسالة الخلود المحمولة كهدية الإنعتاق من الموت، ولكن الرسول أخطأ فحل الموت بالعالم كما كان يعتقد الإنسان البدائي، «كما أموت وفي مماتي أحيا، كذلك أنت مت وفي مماتك تحيا».
على حاردان .. حارس ضلكوت
محمد الحضرمي
أيقظني قائلا:
علي حاردان في ذمة الله..
صمتُّ قليلا، ثم تذكرت حارس ضلكوت الذي أنفق عمره في عشق مدينته، كان هذا الجنوبي جوابا للآفاق بقلمه، رغم أنه لم يبرح المدينة في سنواته الأخيرة من عمره إلا قليلا، إلا من أجل أن يرمي حجرة في المياه الراكدة، ثم يعود إليها وقد أغوته الدوائر التي تصل إلى البعيد، كان يبحر بعيدا عن مدينته في أول النهار ليعود إليها مع آخر دمعة تنسل من عين الشمس.
علي حاردان مات، وتحرك في النفس شريط طويل من الذكريات، مع هذا الجنوبي المجنون بعِشق الأرض والتراب، هذا السمهرمي، البليدي، الضلكوتي، يتوارى بعيدا عن الشمس التي لوحت بشرته الخشبية مع بزوغها الجديد، تاركا غليونه وحيدا، ونظارته، وقلمه، وحقيبته، ودفاتر أشعاره.
تاركا أصدقاءه، ودواوين الشعر التي يحمل أكثرها في رأسه، زاهدا في الحياة، متقشفا، لا يحلم إلا بكلمة يكتبها في صفحات جريدة «عمان»، يحرث بقلمه السياسية، ويناكف، ويشاكس، ويبدئ الرأي في كل ما يحدث في هذا العالم، لأنه وإن نأت به مدينته ضلكوت في آخر بقعة من محافظة ظفار إلا أن العالم كان حاضرا معه، وكأنه يعيش أحداثها لحظة بلحظة، وحدثا بحدث وتحولا بتحول.
من ضلكوت إلى مسقط، وإلى مدن وعواصم عربية وعالمية، انتقل علي حاردان، حاملا معه أحلامه وقناعاته، ومن ضلكوت إلى مسقط، إلى أبواب الصحافة، ليستقر أخيرا كاتبا صحفيا في جريدة عُمان، ثم ينتقل إلى صلالة، وهناك يعيش سنوات عمره الأخيرة، يطفئ ما تبقى من غليون لم يحترق، ويكتب بحرقة الرماد الساخن، وبمداد يسيل سواده مما تبقى من شعره، الذي أصبح أبيض كقلبه.
على حاردان، قلم عماني أصيل، في أواخر الثمانينات الماضية أصدر مجموعته الشعرية: (الإبحار إلى ضلكوت)، كان الشعر روحه الثانية التي يتنفسها ويعيشها، وكان شاعرا بجدارة، يكتب بحبر الحب لمن أحب، وتوارى عن الساحة الثقافية كشاعر مبدع، لأن الساحة فتحت المجال لفرسان يتنافسون على المراكز والألقاب والجوائز، ويتصيدون الريالات من قصائدهم التي تضمحل كفقاعات تنفجر في اللحظة التي تتضخم فيها، وكانت كاميرات الإعلاميين تتصيدهم، وتصنع منهم تماثيل لا تلبث أن تتكسر بعد بضع سنين وتجارب.
في مجوعته الإبحار إلى ضلكوت، كتب الشاعر علي حاردان شعرا رقيقا، كانت تلك بداياته، إرهاصات شعرية ليست إلا، لكنها عذبة كروحه، ورقيقة كنسمات الخريف.
آه يا علي .. سيأتي الخريف الذي تنتظره كل عام، وسيهطل المطر على سفوح ضلكوت، وستتوج المدينة بالغمام، وتكسو الأرض اخضرارا وطمأنينة، سيأتي الخريف وأنت في غيابة الموت، تنفث غليونك في صمت، بعيدا عن أعين الرقباء، وسيزهر ضريحك بالندى والعشب، وكأني أسمع ضحكتك الآن، قادما من عمق الأرض، وساخرا من كل شيء.
و(موذية المنحية)، محبوبة النبهاني، رحلت عنها وتركتها في كراسة ديوانه، موذية المنحية، ساحرة الشاعر النبهاني، امرأة الشعر، موروثة الشعراء، التي يتناقلونها من صلب قصيدة إلى أخرى، حتى وصلت إليك، وأنت في ضلكوت، كنت قد لمحتها في قصيدة النبهاني الرائعة والرائقة، فحفظتها عن ظهر قلب، وكنت كلما التقينا معا تذكرني بها، وتسألني عنها، وتطلب مني أن أسمعك القصيدة النبهانية الآسرة، لم أكن أعلم أنك تقاسم الشاعر حبه لها، وأنها هي الأخرى ظفرت بروحك الشعرية.
قدرك أن تبقى حارسا لضلكوت، أيها الراهب المعتزل في منفاه الأخضر، ابق هناك في السهل الموشى بالشعر والطيور والأمواج، ابق هناك، حارسا لغزلانها، ولأوديتها المترعة بالحب والعشب، ابق هناك في منفاك الأخضر، شامخا وشيخا كالشجرة الغريبة التي تنمو وحيدة في السفح، وتلون الشمس بأشعتها في النهار، وفي الليل يلفها الظلام، فتبدو كشبح جاثم.
ومنذ أن أبحرت إلى ضلكوت بقارب الشعر، لم تصنع لك مركبا آخر سواه، كتبت الشعر كثيرا، وأخذتك المقالة بعيدا عن الشعر، وشاكست الشعراء.
كتبت عنهم انتقادا وليس انتقاما، فأنت تقاسمهم الروح ذاتها المتوهجة التي تصنع من الكلمات دررا وقصائد، وتطفئ جمر المواجع بمياهه الباردة، كتبت عنهم سلسلة من المقالات نشرت في الملحق الثقافي قبل أن يتشكل إلى شرفات، وما زلت أذكر سلسلة المقالات التي كتبتها إثر زيارتك الأولى للقاهرة، التي أثمرت: (ثرثرة على ضفاف النيل)، متكئا على عصا نجيب محفوظ في روايته الشهيرة، وأفضت ثرثرتك بالكثير والكثير، ونفضت الغبار العالق في سجادة قاهرة المعز، فغضب من غضب عليك، مع إنها ثرثرة محب، وكانت السياسة معشوقتك اللعوب التي ظفرت بك أخيرا، فحسك النضالي يشتعل في كريات دمك، وكنت في مقالاتك تفرغ آلامك وأحزانك، وتقدم باختزال شديد تحليلا يتابعه الساسة في مكاتبهم الأمنية.
ويا لمرارة القدر، إذ إن آخر مقالة تنشرها لك صحيفة «عمان» في الصبيحة التي تودع فيها الحياة، حيث كتبت: (على هامش جولة بوش الأخيرة)، وكان آخر نزفك هذه الكلمات الرائقة: (إن التحدي الكبير أمام العرب يتمثل في قراءة المحيط الدولي قراءة متأنية، ومن ثم الاشتغال على النتائج، انطلاقا من المصلحة العربية الكلية، بعيدا عن مشاعر الضعف والاستخفاف بالذات السائدة في الماضي، فالأمة قوية بإسلامها، وقدراتها المتعددة).
كتبت تلك المقالة، وفي المساء أبحرت من جديد إلى ضلكوت، وكان إبحار اللاعودة، فمع صبيحة السبت الماضي 24 مايو كنت قد ودعت العالم بزفرة همد فيها جسدك، قبل أن تقرأ مقالتك الأخيرة المنشورة.
رحل علي بن سهيل حاردان، وفي النفس أكثر من غصة ومرارة، تاركا وراءه مئات المقالات التي نشرها في الصحيفة؛ ثقافية وتحاليل سياسية، وذكريات وخواطر وبوح ورحلات، فهل سنراها يوما ما في كتاب؟.. هل سنقرأ أسفاره الثمينة من المقالات والنصوص الشعرية في كتاب؟. أم سيظل النشر الصحفي جهدا محروقا ضائعا، إن كلا من هذه الأحلام لن تحدث ما لم تكلل بمبادرات قوية وصادقة، من مؤسسة ثقافية تتبنى مثل هذه المشاريع الثقافية الجاهزة، والتي لا تحتاج إلا إلى قليل من الجهد والاهتمام، جهد جمع المادة وترتيبها وتبويبها، لتخرج في كتاب، يبقى رافدا ثقافيا، ووردة عطرة في ضريح الكاتب..
رحم الله علي بن سهيل حاردان.