جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
11-04-2009 03:48 PM
"الزمن" تفتح قضية حرية التعبير مجددا (1-2)
المثقفون العمانيون يؤكدون تضامنهم مع الشكيلي ويثقون في عدالة القضاء
• مبارك العامري: يبدو اننا لسنا احسن حالا عن سوانا في مجال حرية الرأي
• حمود الشكيلي: بين محمد عيد ومحمد عبيد حكاية ثالثة
• محمد الحارثي : أوذينا وانتهكت حُريتنا الشخصية وحرية التعبير في المُطلق
• سعيد الهاشمي: على الكاتب العماني أن يكون صلبا راسخا في مواقفه
• د. هلال الحجري : تكرار ظاهرة محاكمة الأدباء على خيالهم يُسيء لمنجزات النهضة
• محمد عيد العريمي : ستحرك المياه الراكدة، وستوسع من المساحة الضيقة
• حميد الحجري : تصادم السلطة الاجتماعية والمبدع حقيقة تاريخية
• محمود الرحبي : الأدب يحاكم عبر النقد وليس عبر ساحات المحاكم
• الخطاب المزروعي : الذي رفع الدعوة مراهق لا يتناسب عمره مع شخصية القصة
• بشرى خلفان : هذا الوطن الكبير الجميل يتحول بيتا ضيقا لا يتسع حتى لنافذة
• د.سعيدة خاطر الفارسية: على القضاء أن يكون حذرا في مسألة المقاضاة في أمور إبداعية
* تحقيق بدرية الوهيبية
هل على الكاتب ان يظل كما قال الماغوط مرة : " ولدت مذعوراً.. و سأموت مذعوراً" ؟ لم يمض وقتا طويل على ندوة "الكلمة بين فضاءات الحرية وحدود المساءلة" التي نظمتها جمعية الكتاب والأدباء في ابريل الماضي ، وبعد ان تنفس الكاتب وهمه الجميل وظن ان لا شيء يقف حاجزا أمام حريته ، وقع في فخ (السلطة المجتمعية) ويبدو ان الساردين هم أكثر من يتعرضون للمساءلة بسبب النصوص القصصية التي من شروطها (الشخوص) ولعل البعض يختار (مكانا ما) كشرط قصصي أيضا ويختار اسماء لشخوصه من البيئة العمانية فيتفاجأ برفع دعوى قضائية أو محاكمة من الشخصية ( المخيلة) التي تصادف انها موجودة في ذلك المكان ، فهل يؤخذ عليه ذنب ( حسن النوايا) أم (حسن المصادفات )؟
المسألة تزداد تعقيدا ففي هذه الألفية تم استجواب 5 قاصين بسبب(النوايا) ، وهذا لا يحدث في روايات نجيب محفوظ أو ماكتبه الجاحظ وذكره لأسماء حقيقية و"الحرية فضّاحة لمن دونها" حسب أنسي الحاج، وقول يوسف ادريس : (إنّ كميّة الأوكسجين في العالم العربي لا تكفي لاستنشاق كاتب واحد ".
تلك الحريّة التي حارب لأجلها مثقفون وكتاب في الوطن العربي ماعادت تصلح للعمل الابداعي ، فالمبدع سيظل مراوحا مكانه بل وينتزع حريته من كل سطر يكتبه خوفا من الرقباء وخوفا من القارىء الذي أصبح موقفه قويا في ظل القوانين التي تحمي كرامته من الاهدار حتى وان كانت بـ(حسن نية) ، تقول مستغانمي (ذات يوم قد يستيقظ الكاتب و إذا بقارئ يردّ عليه بالطعنات عن كتاب كتبه قبل سنوات)
وفي نفس الوقت مازلنا نسأل أين تقف حدود الكاتب وحريته ؟ مدركين تماما ان تكون بعيدة كل البعد عن الاساءة للأفراد والاهانة التي بالتأكيد لا يتقبلها الكاتب في سلوكه خارج الكتابة ، لكنه يقع في شرك السلطة المجتمعية ..
وهاهو كاتب آخر أصدر مجموعته مؤخرا بعنوان(شمس لماء النهار) وتفاجأ بعد أشهر من اصدار المجموعة بشكوى ضده من شخص لا يعرفه ولم يسمع عنه ، ليحكي القصة كيف بدأت وأين انتهت ؟ علما بأن "الزمن" بحثت عن الطرف الآخر من القضية ليكون مشاركا في هذا التحقيق ولم نتمكن من ايجاد وسيلة للاتصال به.
يقول حمود الشكيلي وهو معلم في احدى مدارس مسقط ويواجه محاكمة رفعها ضده شخص (متخيل) لا يعرف عنه شيئا ..
*زملوني ..زملوني
يقول حمود الشكيلي (كنت عائدا من مدينة " نيودلهي الهندية " بصحبة شخصين عزيزين أحببت السفر معهم، في أصبوحة وصولي للوطن، عند الحادية عشر صباحا، أتاني رقم غريب، وسألني المتصل مباشرة " وين حمود أنت الآن، أتصل بي أحد يقول ان " الأمن " يسأل عنك في البلد ؟ زلزلني صوته ومكالمته بدت هي الأخرى مخيفة ، خاصة أن كلمة " الأمن " كلمة مخيفة ومرعبة في قاموسي اللغوي والفكري. سألته عمن يكون؟ " حمود أنا أحمد ود عمك" كيف عرفت أن الأمن يسأل عني؟ سيارة غريبة تسأل عنك في البلد فيها رقم " 9 " وهم تو أمام بيتكم. خفت؛ متمنيا أن لو أعرف من الذي يسأل عني، ولماذا ؟
كنت حينها أنتظر استلام سيارتي من شركة استلمتها للصيانة. عدت شقتي وجلا خائفا: ثم قلت للجدران الخاوية : زمليني زمليني " بعد أقل من نصف ساعة هاتفني أخي مبينا لي أن الإدعاء العام جاء إلى بيته وبيت الوالدة سائلا عني: وقد استلمت حبيبتي شيماء الورقة وأعطتها إلى أخي. هاتفني أخي مبينا أنهم استلموا ورقة استجواب مفادها ضرورة حضوري لمكتب الإدعاء العام ببهلاء. سألني أخي إن كنت قد أخطأت في أحد أفراد العائلة المشتكية. ثم بينت أني لا أعرفهم كي أخطئ فيهم.
أوضح أخي أن الادعاء يخطئ في بعض المرات. مبينا لي سبق وأن استجوبوا أحدا وعندما ذهب إليهم بيّنوا له أنه ليس الشخص المقصود، وإنما الأسماء تشابهت، واعتذروا له كون أن اسمه قد التقى مع شخص آخر ، خاصة وأن 95 في المئة تقريبا كلهم من قبيلة واحدة، فتجد في القرية أكثر من عشرة أشخاص اسمهم حمود الشكيلي، فعائلتي مثلا فيها ثلاثة أشخاص أسماؤهم مثل اسمي. ارتحت كثيرا للفكرة التي حدثني عنها أخي.
سألني إن كنت قد ذكرت اسم أحد هؤلاء الثلاثة الذين في الورقة التي في يده في أحد الكتابين ، ثم قلت له لا أظن أن اسم أحدهم في إحدى القصص . بينت له أني لا أجيد كتابة القصص عن أي بشر أعرفهم، وإني لا أحب أن أكتب أي شيئ قد حدث. أو عن أي شخص أعرفه. اقترح أن نسأل أحد معارف هذه العائلة، وأراد أن يكون هو المتصل، ثم اصررت أنا أن أتصل. تفاجأت بانزعاج الشخص الذي اتصلت به، كان صوته عاليا في المكالمة وقال" يا حمود أنت ما حد سلم من كتاباتك،اتق الله في نفسك ولا تسب الناس بالقصص " كيف تقول انهم يتعاطون الكيف وأنهم حمير".
بعد تلك المكالمة التي قصدت بها معرفة سبب استجوابي بدعوى إهانة كرامة ثلاثة أخوة. عدت اقرأ القصة، متذكرا ردود أفعال القراء لها قبل ثلاث سنوات. في اليوم الذي نشرت فيه قصة " رحلة الحمار " أحسست بانتصار داخلي عظيم وأني إنسان لا أشبه الكثيرين من البشر ، كون أن القدر قد رماني في خانة المبدعين، نتيجة لكثرة ردود الأفعال الطيبة للقصة، كلمني أناس لا أعرفهم أبدا. وما زلت أسترجع صوت طفلة أحد الزملاء التي أصرت على والدها أن تكلمني، وقالت لي " ليش عمي عطيت الخبزة والجبنة مالك للحمار "بعد فترة طويلة ذهبت للبلد، كلما رآني أحد حدثني أنه معجب بالقصة، وباستعادتها لأمكنة متلاشية ومنقرضة من بعض ملامح وجغرافيا ما كان في القرية. بعد شهرين من نشرها جاءني أحد شباب البلد، طالبا مني أن أحوّل اسم شخصية محمد عيد إلى أي اسم آخر، كون أن محمد عيد إنسان حقيقي، وكما بين ذاك الشخص فإن محمد عيد قرأ القصة من ورقة الجريدة التي أرسلت له بعد أن سمع أن اسمه جاء فيها وهو معجب بها كثيرا من هنا قررت أن أحوّل شخصية محمد عيد القصصية، وهي الشخصية التي كانت في القصة عند نشرها في الجريدة للمرة الأولى إلى شخصية أخرى عند نشر القصة في مجموعة" شمس النهار من الماء " وهي شخصية محمد عبيد القصصية. فكلما هربنا من واقع تفاجأنا بواقع لا نعرف عنه شيئا. وبعد ستة أشهر من صدور المجموعة بدأت هذه القضية.
• أين تقف حرية الكاتب؟
مجموعة من المثقفين سجلوا تضامنهم مع القاص حمود الشكيلي ، والزمن تطرح عليهم السؤال المتكرر: أين تقف حدود حرية الكاتب في عمله الابداعي ؟
ولماذا الأجيال السابقة رغم جرأة الطرح في نصوصهم وفي مساحة حرية أضيق لم يواجهون السلطة المجتمعية ، لماذا الآن؟
يقول الشاعر مبارك العامري : اي مجتمع مايزال يرزح تحت نير سطوة القبيلة او العشيرة او الطائفة او سلطة ذوي المال او الجاه او القوة والنفوذ هو بأي شكل من الأشكال مجتمع متخلف مهما استخدم من وسائل تقنية وتكنولوجية متطورة لانه فاقد لأهم عنصر من عناصر تشكله ككيان واع ومستقل وهي "الحرية" ففي غياب الحرية لا يتسنى لأي مجتمع ان يتطور بشكل طبيعي ويرقي في مختلف مناحي الحياة ويبدع ابناؤه في شتى الحقول والميادين حتى لو ادعى عكس ذلك وهنا في عمان يبدو اننا لسنا احسن حالا عن سوانا في مجال حرية الرأي والقول الابداعي او الفكري فمازلنا محكومين بتابوهات الجهل الثقافي التي ما فتئت تمارس سطوتها وتحكم قبضتها الملطخة بالمطامع والمصالح والمنافع وربما التفاهات والوقاحات والاحقاد والمكائد والدسائس على انفاس ورقاب مبدعينا ومثقفينا الذين هم صفوة وخيرة ابناء الوطن لانهم يمثلون الضمير الحي الواعي القادر على فضخ وتعرية اساليب وممارسات وسلوكيات سدنة الرداءة والقبح والقمع والرجعية ومن دار في فلكهم والقضية المتهم فيها حاليا جورا كاتبا عُـمانيا مبدعا ونشطا هو الرائع "حمود الشكيلي" تقع في هذا الاطار وهي اوضح دليل على وجود هوة عميقة وبون شاسع بين المبدع العماني والمجتمع الموغل في تقليديته وربما سذاجة وجهل وكيدية بعض فئاته رغم مظاهر التطور والعصرنة الشكلية التي ماهي الا تكالب استهلاكي وسلوكيات هشة وسطحية في جوهرها .
ان الابداع الادبي والفني بمختلف اجناسه واشكاله من غير المقبول ولا المعقول بأي حال من الاحوال ان تطبق بشأنه احكام او مقاييس المجتمع البائسة فالابداع ايا كان نوعه منجزا جماليا محضا له قوانينه الخاصة وشروطه الفنية ذات الخصائص الرفيعة في شفافيتها ورهافتها ومن غير المنطقي ابدا ان تقع تحت وطأة سلطة المجتمع او الدين او السياسة او اية ايديولوجيا او ميثولوجيا كانت وقضية مثل هذه تعد مثلبة للقانون ورجاله وحماته والمدافعين عن سيادته سواء في بلادنا او سائر البلدان الاخرى.
وللاسف الشديد تكررت اكثر من مرة هنا في عُـمان وتعرضت لها اكثر من مبدعة ومبدع من الرائعات والرائعين الذين لهم بصمتهم المهمة ومكانتهم في مسيرة الأدب العماني الحديث .
لقد أزف الوقت للاصطفاف الى جانب مبدعينا من كتاب وادباء وفنانين الذين يمرون بمثل هذه المحن الظالمة وهذه دعوة موجهة للمثقفين والحقوقيين والمدافعين عن حقوق وحرية المبدع العماني للوقوف صفا واحدا ضد كل من يحاول المساس بحقه الطبيعي في الابداع او تكبيل حريته وتكميم الافواه الحقيقية الصادقة .
* الحضيض
ولم يقف محمد الحارثي بعيدا عن القضية لأنه دخل فيها مسبقا ، فيقول ( العمل الإبداعي، عمل تخييلي خالص، وإن متح من الواقع أحياناً ضمن نسيجه الخاص. وعليه لا أرى أن ثمة حدوداً على الكاتب أن يقف أمامها على الإطلاق، والكاتب الذي يفعل ذلك هو كاتب منافق يحسب حسابات تعود عليه بمنافع عينيَّة ومادية؛ أي أنه كاتب يحترز ويخنق حرية التعبير في نصه الإبداعي، لذلك سيكون من الطبيعي أن ينزلق بإبداعه إلى دركات حضيض التجربة، وإن لمَّع اسمه هنا أو هناك.
• فضيحة وطنية
وعن السلطة المجتمعية أو الاجتماعية كما قال عنها الحارثي وبتعبير حاد ( في الحقيقة أنّ من شجع السَّذاجة القِيَمِيَّة لـ"السلطة الاجتماعية" على التجرُّؤ على الكُتَّاب والمبدعين هو "السلطة السياسية" التي يقلقها المُبدع العُماني الحُرّ، وتحاول بشتى السبل وضع العوائق في طريقه، وإن كان ذلك عبر قوانين جائرة وظالمة لا هدف لها سوى التسلط على رقاب الكُتّاب. وما يحدث الآن مع أخينا القاص المتميز حمود الشكيلي فضيحة وطنية بكل المقاييس، ودليل جديد على مدى سوء الأحوال وانحدار مُستويات حُرّية التعبير (اللامكفولة) في بلادنا للأسف المُحزن حتى البكاء.
لقد أوذينا وانتهكت حُريتنا الشخصية وحرية التعبير في المُطلق، وحُوكِمنا ذات يوم. ويبدو أن الحبل على الجرَّار، فالمؤسسة السياسية لا يُرضيها الكاتب الحُرّ غير المُدجَّن، لذلك ستفعل ما يحلو لها حتى تتمكن من تدجينه كما فعلت مع كُتاب عُمانيين كنا نكنُّ لهم الاحترام لمستوياتهم الإبداعية، لكنهم قرروا وضع إبداعهم (على صُوب) فيما يسترضون ويتملقون المؤسسة السياسية على كافة تمظهراتها المؤسسية.
* لا مقدسات.. لا تابوهات
وتؤكد د.سعيدة خاطر على حدود الحرية بقولها (حرية الكاتب مفتوحة الآفاق لا حدود لها ...إلا في التصادم مع المقدس ولا يوجد مقدس إلا ما أنزل من السماء من كتب سماوية ومن أحاديث نبوية تعود أصلا إلى تعاليم سماوية ، خارج هذا لا توجد مقدسات أو تابوهات يمتنع الاقتراب منها ،ولا يستطيع الكاتب أن يبدع إبداعا حقيقيا حرا إذا كبل بقيود الممنوعات والتابوهات الاجتماعية الثقافية والتأويلات الدينية ،
نعم قد تكون الحريات بالأمس أقل من اليوم لكن اليوم هناك وعي مقولب بمعنى قولبة ثقافة العولمة والانتقاء منها بما نريده نحن وبما يخدم مصالحنا بمعنى أن ترفع قضايا على الكاتب عند أي تماس مع الأعراف أو العادات ليس محبة في تلك العادات والأعراف لكن من أجل ربحية ما أو جلب مضرة للكاتب ، وعلى القضاء أن يكون حذرا في مسألة المقاضاة في أمور إبداعية لدي أي إدعاء من عامة الناس طالما لم يواكب هذا الادعاء أي وجهة نظر نقدية تضعه في خانة الإسفاف وخدش المقدس .
*علينا ان نتعود
ويؤكد سعيد الهاشمي ان ( الإبداع لا يمكن إلا أن يكون حرا، صادقا، صادما أحيانا، وغير مرغوب فيه في أحيانا كثيرة. إلا أنه علينا أن نتعود على ذلك, فكما أن الحرية شرط أساسي للإبداع, فالإبداع لا يكون كذلك إلا بحرية في التفكير,والإعتقاد,والكتابة والإجتماع والتعبير.
و عندما أقول"علينا أن نتعود على ذلك" فأعني من ذلك؛ أن هناك واجبا ملزما على المثقف المبدع القيام به,وهوالإشتغال على مجتمعه عن طريق توعيته وتوسيع رؤيته, بصبر وأناة، والحرص على ترسيخ مفاهيم الإحترام والحرية والمسؤولية لديه بعدما يدركها هو حق الإدراك. ليرتقيا معا، وليكملا إحتياج بعضهما لبعض.
ولا أعتقد أنه بإمكاننا أن نتطور إبداعيا خارج رحم المجتمع, وإلا سيكون الإبداع الذي ينتجه مبدعونا؛ إبداعا مطمورا,معزولا عن التأثروالتأثير والتفاعل دون أن نوجهه إلى أهلنا ومن نعيش معهم عن قصد وترصد.
في البداية سيضيقوا ذرعا بما نسميه إبداعا ويسمونه هلوسة,وسيشيحوا بوجوههم عن ما نسميه ثبتا فكريا مسؤولا لتفكيك ما نرفضه إجتماعيا ولا نقبله إنسانيا,إلا أن ذلك سيعلمنا الكثير,ويفهمنا الوسائل والطرق المناسبة لتوصيل رسالة الإبداع ,والتي تسعى إلى تحرير الإنسان من مخاوفه وعقده ، وتركيز طاقاته لبناء حاضره والإنشغال بمستقبله.
صحيح أن الطريق سيكون شائكا والثمن سيكون باهظا,إلاأن ذلك سنة كونية ماضية في عرف البشرية.
على الكاتب العماني أن يكون صلبا راسخا في مواقفه,كما أن من واجبه أن يشتغل بإخلاص على توعية مجتمعه,لا أن يعمل بمعزل عنه,أويتعالى على قضاياه, في المقابل فإن على المجتمع أن يحضن المبدع ويوفر له الأمان الإبداعي المناسب، والذي يستوجب مغادرة الحالة الراهنة بكل تعقيداتها. إن المجتمع هو مرآة الإبداع ومصدره الأول ولأجل غدٍ أجمل له، ولنا؛ يبدع المبدعون الحيوات الجميلة.
* محاكم تفتيش
ويرى الدكتور هلال الحجري ان ( تكرار ظاهرة محاكمة الأدباء على خيالهم يُسيء لمنجزات النهضة العمانية الحديثة التي مازالت تمضى بخطى مطمئنة نحو التقدم والمستقبل لم يعد في العالم الحر الآن قوانين تجرم الأدباء على خيالهم؛ فهذا من ممارسات عصور الظلام خاصة في أوروبا إبان القرون الوسطى؛ إذ كانوا يجرجرون الشعراء والكتاب إلى المحاكم بتهمة الإساءة إلى المجتمع.
والحقيقة أن التاريخ العربي والإسلامي كان أكثر وعيا في علاقة الأدب بالمجتمع؛ فقد كان الناس يعلمون جيدا أن الأدب ضرب من الخيال لا يعكس بالضرورة واقعا حقيقيا. فلطالما تغنى الشعراء مثلا بأسماء صريحة في قصائدهم، مثل سعاد، وليلى، ولبنى، وماويّة، وغيرها؛ ولم نسمع أن واحدة منهن اشتكت شاعرا إلى القاضي متهمة إياه بالتشهير. فكعب بن زهير أنشد بين يدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قصيدته في سعاد، والرسول لم ينكر عليه قوله و قد أخذ يصفها مجسدا لمفاتنها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ** متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعادة غداة البين إذ رحلوا ** إلا أغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ** لا يشتكى قصر منها و لا طول
فهل اشتكت امرأة اسمها سعاد، وما أكثرهن في ذلك الوقت، إلى الرسول الكريم ضد الشاعر بتهمة التشهير؟ أو هل طالب أحد من أهلها بالتعويض عن الغزل الصريح؟ أبدا لم يحدث هذا، رغم أن المجتمعات كانت أكثر محافظة على العادات والتقاليد من المجتمعات الحديثة وسبب ذلك التسامح أن هناك وعيا مبكرا بأن سعاد وليلى ولبنى هي أسماء متخيلة و ليست بالضرورة أسماء واقعية، و إلا لسالت الدماء إلى الركب قبل الوصول إلى المحاكم!
ولم يكن الأمر يقتصر على الشعر، و إنما السرد بمعناه الفني كان أيضا مفهوما عند الناس في سياق التخيل لا الواقع، فمقامات الحريري، ومقامات الهمذاني، وكذلك مقامات بعض العمانيين مثل سعيد بن راشد الغشري، ومحمد بن علي البرواني، و الشيخ عبد الله الخليلي؛ كل هذه المقامات تعج بأسماء متخيلة و إن كانت تتشابه مع أسماء حقيقية في الواقع، مثل أبي زيد السروجي، و أبي الفتح الإسكندري، و اليافث بن تمام، وهلال بن إياس، و أبي الصلت الشاري. و الحقيقة أننا لم نسمع أن القضاء حاكم أحدا من هؤلاء الأدباء؛ و في عمان خاصة لم نسمع أن أحدا من جعلان، أو نزوى، أو سمائل، أو سمد الشأن، وهي مسرح مقامات الشاعر عبد الله الخليلي، قد توهم أنه المقصود في المقامة فرفع قضية تشهير على الشاعر، فما بال الناس اليوم لا يكادون يفقهون الأدب؟!
والحقيقة أن تفريغ الأدب من هذه الخصيصة؛ أعني خصيصة كونه إبداعا متخيلا سيؤدي إلى محنة كبيرة وكارثة عظمى؛ لأننا حينها سنحيل كل الشعراء والقاصين والروائيين إلى المحاكم بتهم مختلفة لا حصر لها؛ قد تشمل التشهير، وخدش الأخلاق العامة، وقد تصل إلى التكفير لا سمح الله!
إنني شخصيا أثق في نزاهة القضاء العماني؛ و لكني أبدي قلقي و تخوفي من تكرار محاكمة الأدباء لمثل هذه الأسباب المفتعلة، و أناشد المُشَرِّع العماني بأن يجد حلا قانونيا لهذه المعضلة كأن يستن في النظام الأساسي للدولة قانونا يراعي طبيعة الآداب و الفنون، القائمة على التخيل أصلا؛ حتى يقفل هذا الباب و تسد ذرائع بعض الجهال الذين يريدون نصب "محاكم تفتيش" لا تليق بهذا العصر الذهبي الذي تشهده عُمان.
* رب ضارة نافعة
وأكد محمد عيد العريمي تبرئة الشكيلي قائلا (سيبرأ الشكيلي مثلما بُرئي الزويدي، وبدربة الوهيبي، ويحيى سلام المنذري، فـ"رب ضارة نافعة".. تكرار هذا النوع من القضايا يكسب محاولات الكتاب التمرد على الواقع الاجتماعي مصداقية اكبر، ويبعد عنهم شبح تهمة السلبية، وغياب دور الكاتب في تلمس أوجاع الناس وهمومهم اليومية، ومن ثم تجسديها في عمل إبداعي.
قد لا يُحققُ إثارة هذا النوع من القضايا سواء كانت مع أفراد أو مؤسسات منجزا يعتد به، ولكنها من دون شك ستحرك المياه الراكدة، وستوسع من المساحة الضيقة ـ أو بعض الخطوط الحمراء التي تَكفلْ بخطها إرث من تقاليد راسخة الجذور ـ والتي أصبح بعضها بحكم شخصية الإنسان العماني.. المسالم دوما، جزءاً يعزز الخوف من تجاوزها.
*تصرف حضاري
ويقول حميد الحجري (من حق الكاتب ان يكتب بكل حرية ومسؤولية في الوقت نفسه ومن حق اي مواطن يرى بانه تعرض للأساءة ان يلجأ الى القضاء واللجوء الى القضاء بحد ذاته تصرف حضاري اذ إنه احتكام الى القانون وبما أن القانون قد كفل حرية الفكر والتعبير فإنني ارى ان القضية ستكون في صالح الكاتب وسيحكم ببراءته وهذا ما نأمله جميعا. اما عن تصادم السلطة الاجتماعية والمبدع ، فهذه حقيقة تاريخية واجتماعية لا مناص من وقوعها ولا سبيل أمام المبدعين سوى مواجهتها بكل شجاعة وحزم) .
*لا يرد على الكلمة الا بالكلمة
أما محمود الرحبي الذي تضامن مع القاص حمود الشكيلي قائلا ( الشكيلي يتحدث بلهجة عمانية مليئة بالبلاغة الشعبية وفي اعتقادي بأن لهجة حمود الشكيلي تصلح لان تسود في الدراما العمانية لتحل مقياسا وبديلا للهجات المتناقضة بنفس تلك اللكنة العميقة والساخرة كذلك كان حمود في قصصه والتي لم يفهم مغزاها جيدا فيجب ان يعرض المجتمع عاجلا ام آجلا بان الادب يحاكم عبر النقد وليس عبر ساحات المحاكم فهو كتب قصة وليس مقالا صحفيا واضح الحروف والاهداف حتى وان فعل ذلك فلا يجب ان يرد على الكلمة بغير الكلمة ).
* أسماء لشخصيات قصصه
و صديقه المقرب القاص الخطاب المزروعي فيقول : (كل عمل ابداعي لابد ان يحمل عناصره الفنية الخاصة به .
وأخص هنا السرد من شخوص واحداث وفكرة وما الى هنالك من عناصر اخرى..
فإذا اخذنا الكاتب العماني عندما يكتب لابد ان يكون لديه اسماء لشخصيات قصته من خلال مجتمعه والاطار الذي يعيشه ضمنه وسنفترض بطل القصة فلان فلان لا اعتقد ان هذا سيكون تعديا على احد وفي المقابل على الكاتب ان لا يخرج عمله الابداعي من اطاره ويأتي ذلك في حالة مثلا احدى الشخوص فلان بن فلان بن فلان الفلاني حتى لو كان من وحي خياله ولو بعد حين .
لكن ما حدث عند القاص حمود حمد الشكيلي مختلف تماما شخصية القصة رجل والذي قام برفع الدعوة مراهق لا يتناسب عمره مع شخصية قصة الشكيلي وايضا كتبت القصة قبل ما يقارب خمس سنوات وقد نشرنا القصة في ملحق اقاصي والطريف في الامر ان اسم الشخصية في قصة "رحلة الحمار" كان اسم آخر غير الذي في مجموعة الشكيلي وقد قام حمود بتغيير الاسم لان شخصا آخر قد وافق اسمه اسم الشخصية فوافق حمود بتغيير الاسم الى ان تفاجأ برفع قضية ضده من قبل المدعي عليه الآن فهل المطلوب من الكاتب ان يستورد اسماء من الصين ؟
والمبدع يتعرض للاءات تخنقه وها هي لا جديدة تلاحقه تضاف لللاءات الثلاث وفي هذه الحالة على الجهة القانونية التدخل لتصحيح الأمر وان تحفظ الدعوة في مثل هذه الحالات لان ورود اسم ما ولنفترض عبدالله في نص ما فهل كل من يحمل اسم عبدالله يقوم برفع قضية على كاتبه لانه ليس اسما اعتباريا ولا تنطبق عليه "كما اسلفت" مواصفات شخصية القصة .
وهذه ليست المرة الاولى التي يتعرض فيها كاتب عماني لمثل هذه القضية.
وعلينا ان نعي ان الرقيب الاجتماعي اكثر قمعا على الكاتب بحكم التركيبة الخاصة للمجتمع !
وبسبب الفجوة او المسافة بين المبدع والمجتمع والتي يتحملها الطرفان !
* المجتمع يقرأ
ونختم هذا الجزء من قضية حدود حرية التعبير مع القاصة بشرى خلفان التي ذهبت بعيدا في تحليلها وأكدت ان المجتمع أصبح يقرأ فعلا فتقول ( ما اعجبني حقا في الموضوع .. ان النصوص تصل بعيدا .. وهناك قراء متعددون في وطننا الجميل هذا .. على حمود ان يكون سعيدا فنصه "الذي لم اقرأه" وصل بعيدا جدا هذه المرة.
سأنتبه شخصيا في المرة القادمة لن اكتب نصا عن أصحاب الحمير ولا عن اصحاب وسائل النقل .. فقد يتشابه بطل احد نصوصي مع احد العابرين .. في لون مصره او اسمه الاول والثاني والثالث .. او موقع بيته .. او او هذا الوطن الكبير الجميل يتحول بيتا ضيقا لا يتسع حتى لنافذة عندما يصبح علينا ان نتأكد من ان نصوصنا تخلو من الاسماء والأماكن والأشياء والحمير .
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|