جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
11-04-2009 10:02 AM
قراءة انطباعية
"أرجوحة فوق زمنين" لمحمود الرحبي
قراءة : سالم الرحبي
تبدو روح القاص محمود الرحبي المتناثرة بين قرية "سرور" الوادعة بغابات نخيلها وحكاياها المليئة بالأسرار الغامضة، حيث يتوارث القرويون الحكاية بهيبتها وقداستها الأسطورية وبين "مطرح" بحكاياتها التي تتناسل يومياً بشكل لا تكل الألسن من روايته، حيث الجديد الدائم في سوقها المزحوم بالمواقف التي تقع بين الباعة بخبثهم المديني والمتسوقين القادمين من البعيد بسذاجتهم القروية.. تبدو روح القاص ماثلة وبقوة بين هذين المكانين لتعتق روح الحكاية بمزاج نضج بين هيبة الأسطورة وخفة الحكاية، وبلغة تجمع الرصانة بلطافة الوصف.
وتتبدى كل هذه الأمور في مجموعته الجديدة "أرجوحة فوق زمنين" والتي حصد عنها المركز الأول في "جائزة دبي الثقافية".. محمود الذي صمت بين مجموعته الأولى "اللون البني" ومجموعته الثانية "بركة النسيان" قرابة العشر سنوات ، يبدو عائداً بقوة إلى النشر بعد أن صدر له "لماذا لا تمزح معي" العام الفائت، و"أرجوحة فوق زمنين" التي صدرت مؤخراً.. فيما ستبصر روايتاه الجديدتان النور قريباً.. تحمل الأولى عنواناً مبدئياً هو "درب المسحورة" وتحمل الثانية عنوان "خريطة الحالم"، وهو عنوان مبدئي أيضا.
في مجموعته الأخيرة الصادرة عن دار "الصدى" للصحافة والنشر والتوزيع، يقدم القاص محمود الرحبي مزجاً بين ما هو غرائبي وما هو واقعي، في دربة وخبرة لا تنقصهما مهارة البناء السردي المتين والتصاعد الدرامي الشيق.. حيث يلعب على فضاءات شاسعة من اللغة أحياناً ومن دهشة الحكاية أحياناً اخرى.. فيما تعلو تقاسيم السرد البسيطة وجوه بعض القصص التي يطرزها بلهجة محلية ، يجدها الأنسب لإيصال الفكرة، وهي طريقة دأب على تكريسها مجموعة من القاصين العمانيين مؤخراً.
ولا يبدو ما جسده محمود بلهجته المحلية هروباً من اللغة، إذ تبدو مطواعة ـ اللغة ـ في باقي النصوص وكأنه خزّاف يعي تشكيلها بحرفية قبل أن يحرقها في فرن الكتابة على الورق.
تقول الحكاية/الاسطورة أن "سيح الأحمر" هو أكبر مستعمرة للجن على وجه الأرض، وهو مقر إقامة أكبر عدد منهم، لذا فإن المار فيه مهدد بتعرضه للخطر في أي وقت، وكثير من الحكايات سمعتها عن هذا السيح، وجدتها متطابقة مع حكايات في دول عربية أخرى، حيث الرجل الذي تجده ، وبعد أن تستأنسه يكشف عن ساقه فتجد أن له قدمي حمار، أو تلك المرأة الفارعة بسوادها المخيف التي تطاردك.. وغيرها من الحكايا والأساطير حول هذا السيح الذي لا يبقر بطنه إلى وقت قريب سوى خط أسود طويل من القار عليك أن تحث الخطى حين تصل إليه، مع بعض بيوت المزارعين المتناثرة على أطراف بدايته ونهايته.
في تقنية كتابية غاية في الاتقان يمزج محمود الرحبي ما هو فيزيقي بما هو ميتافيزيقي في قصته الأولى "السيح الأحمر" التي يفتتح بها مجموعته الجديدة يروسها بإهداء الى "محمود بن سعيد . والى أرواح كثيرة هربت خوفاً من أجسادها".
القصة تغوص في أعماق الواقع حتى العظم وتترك النخاع لخيال الكاتب يلعب بتقنياته وتفاصيله كيفما يشاء، يختار الكاتب للنص لغة تفيض برصانة التشبيهات والشعرية، لتقف عاجزاً أمام ما تقرأه ، هل هو ما تبقى من أوراق ذاكرة بعيدة يحركها الحنين القروي، أم انها الحكاية كما يريدها الكاتب وكفى!.
مجمل القصص يتماهى فيها الكاتب مع الواقع، بأدق تفاصيله، شخصياته عابرة، في الحياة، قد لا تبدو ملفتة للنظر في حياتنا العادية، وبنفس القدر من اللاعادية في الواقع تبدو في قصص محمود أيضا، إلا ان لا عاديتها هي الثيمة التي يلعب عليها القاص بشكل مدهش، بحيث يصنع من مواقفها اليومية سرداً ممتعاً يسبكه ويصيغه في قوالب قصصية غاية في المتعة والجمال، فلا يبدو سائق سيارة الأجرة بتلك الدهشة في الواقع كما يسجله محمود في قصة "ليلة العسل" ، يؤرجح السائق زوجته في السيارة من الصبح إلى الليل ، لأنه لا يملك غير هذه المساحة للترويح عنها.. ولم يذهب بها أبعد من قريات "وفي الرجعة جا مركب معه عبرية".
الزوج الذي يسمع الحديث الذي يدور بين زوجته وأسرتها وهو ينتظرها في الخارج يجعل منه الكاتب شخصية قادرة على استدرار عطف القارئ بطريقة مدهشة، رغم ان البطل لا يظهر سوى في السطور الأخيرة من القصة، وليس له حوار في سياق النص من الأساس، إلا انك لا تملك إلا ان تتعاطف معه، وتتوحد مع حالته.
هكذا يجعلنا محمود نشاركه الانصهار مع الواقع، ومع الشخصيات التي استلها بدقة وبنى عليها نصوصه، ويعيد الفعل في قصة "مكنسة الغروب" حيث نجد قسوة زوجة الأب تذوب وسط ما تعانيه هي من قسوة الحياة، فتتلاقى قسوتها على ابناء زوجها امام قسوة الزوج وظروف الحياة عليها ، ليصبح النص مفعماً بالتشويق وبليغاً في وصف الحالة، ومتماهياً مع قضية كل عنصر في النص.
في نصي "هل هما فعلاً قطعتان من المرمرية؟" و"حديث صاخب بما معناه" يقدم محمود الرحبي متعة مختلفة تقوم على مفارقة الحوار بين الشخصيات، ويبدو خيال الكاتب هنا خصباً في افتعال كل تلك الحوارات، كما تبدو مشاكسة الكاتب للقارئ واضحة هي الأخرى من خلال الحوارات المتبادلة بين الشخصيات، والتي بدورها تعكس جانباً من الغرابة والطرافة في تحوير كلامنا اليومي، إلى قص جميل ومتقن يحتاج إلى أذن برهافة أذن محمود كي تلتقطه.
في "صباح الإشاعات" يتراءى للقارئ وكأن القاص تعمد أن يترك للشخصيات حرية تطوير الأحداث وتصاعدها، بحيث يتصاعد النص وفق ما تختاره تلك الشخصيات "العامة".. فتبدأ ـ الشخصيات ـ في صنع الأحداث وتناميها بحيث تتطور وفقاً لما تراكم لديها من معتقدات، ولا يبدو القاص هنا سوى ساردا موثقاً . ويتجلى هنا التماهي الذي تحدثنا عنه مسبقاً بين الواقع والخيال الذي يصيغه الكاتب بسرد ممتع وواع.
"أرجوحة فوق زمنين" حملت اثنى عشر نصاً هي على التوالي: السيح الأحمر، وثلج على مسقط، وهل هما فعلاً قطعتان من المرمرية، وهواء، وصباح الاشاعات، وفعل الأسماء القديمة، والذائب، ومكنسة الغروب، وليلة العسل، وحوار لا يعبر، ولحم الكلب، وحديث صاخب بما معناه.. ولا يكدرها سوى بعض الأخطاء التنضيدية، بحيث تداخل ذيل أحد النصوص مع رأس الآخر، وتشتت بعض الهوامش في نصوص ليست لها.
ومن المنتظر أن تصدر روايتا الكاتب الجديدتان "درب المسحورة" عن دار رياض الريس بلندن، و"خريطة الحالم" عن منشورات الجمل بألمانيا.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|