جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
06-06-2009 07:01 PM
ثقافتنا لا تتسامح مع حق المرء البسيط في التعبير عن فرحه!!
(عين وجناح) ما زال يهديني مفاجآته، وقريبا رحلاتي فيالهند ونيبال وكمبوديا
قصيدة النثر ليست مطية الشعراء كما يتوهم البعض
صنعة الشعر تستدعي اشتغالا على المكان يرتقي به اكثر مما فعلتُ
هذا السؤال يرعبني!!
أنا رجل مزمنٌ في قدامته، وسؤال الحداثة لم يعد يهمني!!
أشباه الساسة والمستنفعون، هم من أناطوا بأنفسهم تفعيل الواقع بكل ملابساته وتمظهراته
البنية السياسية مكتفية بإنجازاتها وزينتها الموازية، ولا تحتاج للمفكرين بالمرة
أنا شخص متفائل عكس ما تعكسه كلماتي من قنوط، لأنني مؤمن بالمستقبل
• الزمن :
• حاورته : بدرية الوهيبية
لعلها مجازفة أن تقدّم شاعرا بحجم محمد الحارثي، فحين تعتقد أنك قادر على فعل ذلك تجد نفسك، في متاهة الحرف، وغواية القصيدة، وتشعّب الرؤى، نحو أي طريق تسلك، كي تصل إلى موانئ زوربا، وغابات جلجامش، الباحث عن الخلود، أو ابن بطوطة المرتاد لأصقاع الأمكنة، فالشاعر الذي لا يغامر شاعر ناقص الجنون، (وبارد) الإبداع، ولذلك عليك المخاطرة، للوصول إلى ما يليق بالقصيدة، والتجربة معا، ربما لا يستطيع أن يقدم محمد الحارثي إلا محمد الحارثي نفسه، ولعل من نافلة القول العروج إلى سماوات كتبه الأربعة، التي وثّق بها تجربة متعاقبة، ومتواترة، بدءا من )أجنحة طوال النهار)عام 1992م، إلى ( كل ليلة وضحاها ) عام 1994، إلى (أبعد من زنجبار) عام 1997، إلى ((لعبة لا تمل) عام 2005، ورحلته الغرائبية في (عين وجناح) حيث يمتزج النثر بالشعر، والمألوف بالامألوف، والواقعي بالمتخيل، وتؤشر عناوين الكتب الخمسة، والمحتوى إلى عدد لا محدود من (الأجنحة) التي تضرب في فضاء المغامرة، لتصل إلى غايااتها القصوى، من الرغبة في خلق عالم متخيل وواقعي في آن معا، وتؤكد على أن الشاعر/ الرحالة صنوان لم يفترقا منذ التقاءهما الأول.
الحوار التالي خص به الشاعر محمد الحارثي )الزمن) ليفتح نافذة أولى في عودته إلى ربوع مملكته القديمة، الصحافة، وهو أول حوار مع صحيفة محلية بعد انقطاع وقطيعة ليست بقصيرة استمرت حوالي أربعة عشر عاما، مع الصحافة والإعلام ، ربما هي ليست كل الأسئلة التي يجب طرحها، ولكنها حجر صغير في بحر متحرك من الصعب حصره في فنجان، ومؤخرا اصدر الشاعر محمد الحارثي الطبعة الثانية من (عين وجناح: رحلات في الجزر العذراء، زنجبار، تايلاند، فيتنام، الأندلس، والربع الخالي)منقحة،ومعدلة، ومزادة، واُحتفل بهذا الإصدار الهام بالنادي الثقافي قبل فترة..
نبدأ حوارنا التالي من نقطة الحرف ألأخير من هذا الكتاب
• بمناسبة توقيع الطبعة الثانية من كتاب الرحلات (عين وجناح: رحلات في الجُزر العذراء، زنجبار تايلاند، فيتنام، الأندلس والرّبع الخالي) الصادرة عن منشورات الجمل، وبعد حصولك على جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي، هل نعتبرها محاولة لإحياء أدب رحلات مختلف؟
لا أعتقد أنها محاولة لإحياء أدب رحلات مختلف، وبالتأكيد لم أتقصّد أمراً كذاك لحظة كتابة رحلات الكتاب التي كتبت نفسها بعفويةِ وتلقائيةِ رحالةٍ صغير مثلي؛ تملّكته الدهشة في نهايات القرن العشرين، دون أن أضع في ذهني مرجعية رحالة من طراز ابن بطوطة ومن أتى بعده. فمرجعيتي الوحيدة هي محاولة اقتفاء أثري الخاص في المكان بلغة شعرية قاصّة لا تخلو من منحى سردي ممتع. وهما الخصيصتان اللتان وهبتا رحلات الكتاب اختلافها وتمايزها اللذين جعلاها تحظى باختيار لجنة تحكيم جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي في أول دورة لها عام 2003 لاعتقادي أن بالإمكان المراهنة على جعل موضوعة الرحلة فضاء أدبياً يمكن الإشتغال عليه بالمخيلة الإبداعية، كما بحذافير الجدِّية الواقعية. راهنت على ذلك بقوة، مثلما حاولت – قدر الإمكان – تحاشي الوقوع في فخ رَحَليّ شائع: كتابة انطباعات صحفية عابرة عن باريس أو موسكو أو بغداد أو طوكيو، تتكئ على ما هو متيسر ومتاح (في عصر الصورة الملونة وسيل المعلومات السائغ بضربة زرٍّ في موقع غوغل) أكثر من اتكائها على التقاط جوهر رحلة جغرافية معاصرة، تكتسب بعدها الأدبي الخالص من انهمام كاتبها بالشعر في تلاقحه الحميم مع "جماليات المكان"، كما عبّر غاستون باشلار في كتابه المعروف، ليكون التعبير عن الموضوعة الرَّحَلية بلغة جذابة قادرة على استنطاق الخفي والمدهش بالنسبة لسائح منشغل بعين الكاميرا، غافلاً عما يجب أن تراه عيناه.
أقول هذا بوضوح، رغم أن ثقافتنا – كما تعلمين - لا تتسامح مع حق المرء البسيط في التعبير عن فرحه بنجاحه في كتاب رحلات، في قصيدة جيدة مثلاً، أو مسرحية تحبس الأنفاس، أو قصة قصيرة، كما يحدث في الغرب الذي يُعلي من شأن الفرد وفردانيته، لا تغييبه بين آلاف "المُغيّبين"، ليكون مساهماً – بوعي أو بلا وعي – في نقض شرط اختلافه الجوهري عن الآخر. لكنني، وعلى مستوى قولٍ آخر، لا أكتفي بما حققه لي هذا الكتاب، لأن ما تمنيته حقاً، أن يكون نجاحه نبراساً يشدني بقوة الكلمة إلى عفوية القول وصراحته المعِّبرة عن تجربة عميقة ديدنها الألم، قبل الفرح اللاحق بنجاح كتاب أحبه القراء ووجدوه ممتعاً. لأن ذلك، وذلك في حد ذاته، هو ما يستدعي الكثير من التأمل في قيعان الألم وضحْضاحها، قبل الفرح بالإنجازات الصغيرة العابرة.
أقول هذا وأنا أستدعي عبارة هنري ميشو: "عندما تتألمون، هناك عذاب الألم، وهناك أيضاً فقدان التوازن. أوجِدوا لأنفسكُم إذاً ألماً ثانياً، ألماً يُواجهُهُ، كعبءٍ جديد تحملونه، أما بالنسبة للعذاب المعنوي، فهناك تعليمات أوفى نوعاً ما ! رغم وجود أغبياء، بدلاً من تعديل ميزان الألم بألم آخر، فإنهم يُفكّرون بالسعادة كحَلّ".
أنا لا أفكر في تلك السعادة الغبية - وفقاً لتعبير ميشو – لأن عليّ التفكير في إنجاز كتاب آخر، رغم أن "عين وجناح" ما زال يهديني مفاجآته، وآخر تلك المفجآت اختياره من قبل منظمة اليونسكو ليكون أول كتاب عُماني يحظى بالنشر ضمن مشروعها المعروف: "كتاب في جريدة"، وهو امتياز يُحسب للمُنجز الإبداعي في عُمان، قبل استحقاقي له.
* مواطىء قدم أخرى
• ماذا عن رحلاتك الأخرى، هل ننتظرها في كتاب آخر يكمل مسيرتك في "عين وجناح"؟
في الحقيقة أنني تذكرت، ذات صباح، حقيقة مُرّة، هي أنني لم أزر الهند، تلك القارة التي تحوي عجائب العالم وغرائبه، رغم أنها لا تبعد عن عُمان سوى ساعتين بالطائرة. لذلك قمت برحلة طويلة عام 2005 بهدف اكتشاف الهند الحقيقية، أو الإقتراب، بالأحرى، من محاولة اكتشافها. صحيح أننا نرى كثيراً من الهنود في بلادنا، لكن تلك الزيارة جعلتني أحترم وأقدِّر تلك البلاد القريبة منا والتي لا نعرف عنها شيئاً، في الغالب، سوى صورة سلبية عائدة لسوء التعامل السلبي المزدوج منا في منطقة الخليج ومن الجالية الهندية المقيمة في بلداننا.
بدأت من مومبي، ثم انطلقت إلى غُوا Goa ومنها إلى إقليم كيرالا الفتان، ومنها إلى بنغلور وميسور وهضاب "أوتي" العالية في ولاية كارناتاكا، صعوداً حتى العاصمة دلهي ومنها إلى "أغرا"، حيث أمكنني التأمل في تاج محلّ، أعجوبة الحب الخالدة تلك على مر العصور.
بعد ذلك زرت مملكة النيبال الواقعة شمال شرق الهند، وقمت برحلة على القدمين وعلى ظهور البغال تسعة أيام صعوداً من عاصمتها كتمندو إلى سقف العالم: الهيمالايا، حيث تمكنت من بلوغ ارتفاع يقترب من الـ 5000 متر، وكان ذلك بالنسبة لي تحدياً وإنجازاً جديدين، لدرجة أن الشاعر سعدي يوسف قال لي في بريد إلكتروني استلمته بعد هبوطي من الهيمالايا في العاصمة كتمندو: "يبدو أنك أول كاتب عربي تطأ قدماه ذلك الصقع المُتعالي".
ومؤخراً، أي قبل ثلاثة أشهر قمت بزيارة كمبوديا (التي لم أزرها حين كنت في فيتنام وكتبت عنها في "عين وجناح" ، لأن حرب الخمير الحُمر كانت مشتعلة، وكان من الصعب زيارتها آنذاك، وهي بلاد مدهشة، وشعبها مضياف على فقره المدقع. ورغم أنها لا تبعد سوى خطوتين عن جارتها تايلاند التي يزورها الخليجيون والعُمانيون كل ثلاثة أو ستة أشهر، لكنهم (بسبب نمطية تفكير سائد، للأسف) لم يُفكروا بزيارتها، رغم أن معابد أنكور Angkor في شمال كمبوديا، والتي تعدّ "أكبر مجمع ديني في العالم"، لا تقل في أهميتها الأثرية والتاريخية والجمالية عن أهرامات مصر أو زقورات بابل أو معابد الإنكا في بيرو والمكسيك. وما آمله هو أن أنتهي من الكتاب التالي لـ "عين وجناح"، إن أسعفني الوقت، مطلع العام القادم.
* لست أدونيس
• في تجربتك الشعرية الطويلة المتنقلة بين العمودي بشكله الكلاسيكي والتفعيلة وقصيدة النثر.. في ظل هذه التسميات، أين تجد الشعر؟
لست أدونيس ولا سعدي يوسف؛ لتُكْبري من شأن تجربتي كي توصف بأنها: "طويلة" و"متنقلة بين العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر". لأنني، في الحقيقة، مُقلٌّ في كتابة الشعر، وطوال عشرين عاماً لم أنشر سوى أربع مجموعات، ضمَّنتُ أولاها: "عيون طوال النهار" بعض قصائد التفعيلة التي كتبتها في مطلع الثمانينيات، لكنني ظللت مأخوذاً بسحر الإيقاع، رغم اشتغالي على تطوير تجربتي في كتابة قصيدة النثر. فهي - خلافاً لاعتقاد سائد - بأنها مطية سهلة، على غرار ما كان يقال في البلاغة القديمة عن قافية "الرّاء" التي يستسهلها المبتدؤون في النظم: "الرّاء حمار الشعراء"، لأنها – أي قصيدة النثر - أصعب بكثير من ذلك الإعتقاد الساذج. رغم ذلك، فإن من يتابع مجموعاتي اللاحقة، سيجد مقاطع كاملة في بعض القصائد مُفعلة وموزونة، لأن سياقاتها الشعرية والجمالية استدعت ذلك.
ولذلك أيضاً، لم أعبأ بالتسميات والتحقيبات والأجيال، ولم أشغل نفسي بمشغلة الناقد. لكنكِ لو راجعتِ بعض قصائد مجموعتي الأخيرة "لعبة لا تمل" لوجدتِ فيها اشتغالاً كما في قصيدة (الخنفساء: رحلة مع زهير بن أبي سلمى) على معلقته ومعلقة امرئ القيس في محاولة للتقاطع مع المُنجز الشعري الشاهق في بطون القصيدة الجاهلية، وإن بدت (بعد تفكيك أبياتها) قصائد نثر تنتمي لنهايات القرن العشرين. وهو ما تجلى في محاولة أخرى سبق أن نشرتها في ملحق "شرفات" قبل منعي من الكتابة عام 2004. أتحدث، هنا، عن قصيدة (عشبة الشعر: بريد إلكتروني من أبي الطيّب) التي نشرت لاحقاً في المجموعة آنفة الذكر، حيث يقول المتنبي في بريده الإلكتروني:
"على العكس، عزيزي، على العكس/ اكتبوا المزيد من قصائد النثر/ واتركوهم ينسجون على منوالي/ مُمتدحين بقصائدهم الرّكيكة/ مُلوكاً يستحقونها".
أما أين أجد الشعر – كما ورد في قفلة السؤال – فأجدهُ، كما أسلفت، في الذروات الشعرية الكبرى كمعلقات امرئ القيس وزهير ولبيد وطرفة وانهمارات المتنبي الحَييّة وأنفاس أبي نواس العطرة برائحة الوردة، حتى عندما تتخفى تلك الرائحة – زهواً، لا حياءً - في فسوة جُعَل، تماماً كما أجدها في الشواهق الاستنهاضية لأبي مُسلم البهلاني، ناهيك عن بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل وسركون بولص، دون أن أنسى – في تداعي الأسماء هذا - آخر شاعر عماني كتب قصيدة جيدة ونشرها في أحد ملاحق أو صفحات جرائدنا المحلية، دون أن أكترث بشكلها، بل بجودتها. فالشعر يوجد، فقط حيث يوجد ينبوعه الرّائب، بعد الإشتغال المُتأني على مشروع القصيدة، عدا ذلك لن تجدي شعراً، هنا، أو هناك في الأقانيم الثلاثة بعمودها وتفعيلتها، فضلاً عن قصائد النثر المتعجلة، تلك التي لم ترُز، بعدُ، بصيرة المُنجز، كما لم تفكِّر في قراءة مرجع سوزان برنار، ناهيكِ عن مؤسِّسَين كالماغوط وأنسي الحاج، مثالاً لا استفاضة.
هكذا تداعٍ مصدره، عزيزتي بدرية، لقاء حدث ذات مرة في معرض الكتاب بيني وأحد الشعراء الشباب (المتأثرين بدرويش)، حين سألني أن أقترح عليه ديواناً لشاعر تستفيد منه تجربته الغضة - وفقاً لتعبيره الكيِّس - فاقترحت عليه، بعفوية المحب للشعر، ديوان "الأول والتالي" لسركون بولص، لكن الفتى قلّب الكتاب وتركه جانباً. والسبب، في حسباني، هو عدم اعتداده بنصيحتي، فضلاً عن اعتقاده بأن ديواناً جديداً لمحمود درويش - وهو شاعر كبير، دون شك – أحق بالريالين اللذين كان سيدفعهما ثمناً لـ "الأول والتالي". ولو أنه اشترى وقرأ ما نصحته به؛ لاكتشف أن نصف "الأول والتالي" ليس قصائد نثر – كما كان يعتقد – بل قصائد تفعيلة رفيعة المستوى ستغني تجربته، وستجعله يحنو بتؤدة على الينبوع الشعري الذي مَتحَ منه بدر شاكر السّياب تجربته العميقة، كما مَتحَ منها سعدي يوسف ودرويش نفسه.
• ارواح مدن قديمة
نجد في نصوصك الشعرية رائحة المكان طاغية، فالأمكنة التي زرتها كثيرة، خاصة زنجبار التي لها مكانة خاصة في قلبك، ما الذي يعنيه لك المكان؟
طغيان المكان واضح، كما جاء في سؤالك، وكما سبق أن لاحظه أكثر من ناقد اطلعت على ما كتبوه عن التجربة. لكن، في اعتقادي، أن صنعة الشعر تستدعي اشتغالاً على المكان يرتقي به ويصعِّدهُ شعرياً أكثر مما فعل أو حاول أن يفعل محمد الحارثي. صحيح أنني كنت ولا زلت أشبع بعض قصائدي بفضاءات وأرواح المدن التي زرتها أو أقمت فيها، لكن ذلك لم يكن ليعطيني امتيازاً وخصيصة - كما أنظر إلى التجربة، الآن - بل أرى فيه دافعاً للإنفلات من موضوعة سبق أن اشتغلت عليها واستنفدتها تقريباً في دواويني السابقة. لذلك أحاول الإشتغال، على الصعيد الشعري، بأسلوب آخر يتقصّى المكان ويستقصيه ويسائله بلغة أخرى، لا سيما بعد "أن اقتعدتُ هذه الحصاة سأماً من لألأة القنديل بين زنجبار والجُزر العذراء والرّبع الخالي، لأنفخ سأماً بقايا الشعلة، فيما أداعب حَجَر الفلاسفة هذا، بعد أن ثقبتُ في بلادٍ نفّاطةٍ جيوب دشداشتي واقتعدتُ حصاةَ الإفلاسِ هذه".
* سؤال يرعبني
• هل تؤيد فكرة إلغاء تجنيس الأدب إزاء نظرية النصّ؟
سؤال نقدي عميق بالتأكيد، لكنني سأخذلك في محاولة الإجابة عنه. لأن فكرة إلغاء تجنيس النصّ أو الإبقاء عليه كما كان، ترعبني بصراحة، فضلا عن "نظرية النصّ" التي سيكلفني الخوض في ديالكتيكها وقتاً أضنُّ به لصالح الأبسط والأعمق، في آن: الكتابة، قدر الإمكان، بأفضل ما أستطيع. لكنني - وتعويضاً عن الخذلان - سأروي لك طرفة حدثت في الثمانينات من القرن المنصرم حين زارنا في الرباط الصديق والكاتب الراحل محمد شكري قادماً من طنجة، لنقضي الضحى في مقهى "الحطبة" المُجاور لإحدى المكتبات في شارع فرنسا، على ما أذكر.
يومها خرجنا؛ الشاعر زاهر الغافري والشاعر عبدالله الريامي والشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني – ومُحدِّثكِ، هذا - من مقهى الحطبة للتفرج على الكتب الجديدة في تلك المكتبة – رغم إفلاسنا عُمانياً وإماراتياً - لكن محمد شكري مَلَّ من تأمّلنا لما تعرضه رفوف المكتبة، وخرج للجلوس خارجها على مصطبة الدرج، مُدخناً ومُمَزمِزاً جرعات من قنينة نبيذ مخبأة في إضبارته. ونحن الأربعة، أطلنا واستنفدنا حقنا في متعة القراءة المجانية، وشغفنا المكبوت لشراء كتب لم، يومذاك، نكن نمتلك أثمانها. حين خرجنا من المكتبة، سَألْنا صاحبَ الخبز الحافي: عْلاش خرجت أبّا شكري؟ قال: "أنا يخلعني هايدغر بوحده" (أي: يُرعبني) حين أجد اسمه على غلاف كتاب. وقد احتملت مؤلفات جان بول سارتر لأنه كتب كتاباً جيداً عن جان جينيه، لكن البقاء في تلك المكتبة كان ضرباً من الجنون، بعد أن رأيت على أحد رفوفها كتاباً عنوانه: "هايدغر ضد هيغل"، لذلك فضلت انتظاركم ريثما تخرجون سالمين من معترك الفلاسفة. ضحكنا من تعليق محمد شكري اللمّاح، وذهبنا لتناول الغداء في أحد المطاعم الشعبية، دون نظرية أو كتاب فلسفي واحد!
* مزمن بالقدامة
• هل الحداثة العربية قامت على أسس تتبنى فكرة الهدم لإعادة البناء؟ كيف ترى الحداثة من وجهك نظرك؟
أنا رجلٌ مُزمِنٌ – كما أعتقد - في قدامته. فكيف تتوقعين مني الفتوى في مفردة رائجة وفضفاضة ومستهلكة كـ "الحداثة العربية"، سواء "قامت على أسس تتبنى فكرة الهدم لإعادة البناء"، أو تبنت ما يدعيه أغيارُها.
صدقيني.. لم يعد يعنيني الأمر، ولست شغولاً به.
أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالك، فهو يسائلني عن "الحداثة" مطلقة في سماء القول - لا عن الحداثة العربية - وتلك مسألة واضحة وضوح الشمس في شروقها، كما في غروبها. ولو استُفتيَ فيها الإمام الشافعي لحقَّ له – كما سيحقُّ لأشياخنا الأجلاء – أن يقولوا فيها ذات القول الفلسفي الساخر. فاختلاف الحَداثات والقدامَات لا يجعلُ منها موضوعة قابلة للتشكيك، مثلاً، في غروب شمس أمست أو شروق لمّا تُصبح حداثته على الكون، كما على اليوم السابق له. المسالة بهذه البساطة، كما أنها ليست بعيدة عن تعقيد كهذا. ولذلك حَقَّ للشافعي، تاريخياً وجدلياً، أن يمد رجله حين حارَ – رُغم أنه لم يحر - جواباً.
* السياسي الكاتب
• "الكتابة هي تفعيل للواقع بكل ملابساته وتمظهراته وغموضه..."، هل تستطيع القصيدة صنع هذا؟
لا أعتقد أنها تستطيع ذلك في أزمنة غبيراء. فأشباهُ السّاسة والمستنفعون من غبار زمنهم، هم من أناطوا بأنفسهم "تفعيل الواقع بكل ملابساته وتمظهراته وغموضه"، لذلك لا تستطيع الكتابة عموماً، ناهيك عن القصيدة، صنع شيء كهذا. الأقدر والأجدر، منكِ ومني، على الإجابة واحدٌ من أولئك المسؤولين - بتعبيرنا الشعبي الدارج – ليفتي هو في الجدوى من الكتابة، والجدوى من وجود مثقفين غالباً ما يسألون أسئلة حمقى، ويقترحون بدائل تحاول أن "تفعّل الواقع". ومن كل قلبي الواقعي والسريالي أتمنى أن تكون إجاباته "واقعية"، لا "ملتبسة في تمظهراتها وغموضها".
أتحدث، هنا، عن الإلتباس والغموض اللذين، عادة، ما يُلصقان بصورة المثقف الذي لم يسأله أحد عن رأيه أو لارأيه، في شيء أو في لا شيء. لأن (واقعيتنا) أخف بكثير من (سرياليتهم) و(غموضهم) الذي يرغموننا – بالأحرى، ترغمنا مصالحهم - على العيش في واقعه الرّث.
*عبدالله الخليلي وسيف الرحبي
• يقال: "الشعر هو ما يذهب بنا إلى آخر لا نعرف ملامحه بالضبط سوى أنه قارئ". كيف نصنع ثقافة مميزة لقصيدتنا، كيف يمكن مد جسر بين المتلقي والنصّ؟
هذه مشكلة بعض كُتاب قصيدة النثر، وبالتأكيد هي مشكلة القارئ على صعيد آخر، لكنني دائماً ما وجدت من يَقرأ، ودائماً ما وجدني بعض القراء، ولو تائهاً ووحيداً في الصحراء. المعضلة في الجسر الذي هدماه كلاهما بمِعْولٍ موزون: أي الشاعر والقارئ. المعضلة، على صعيد آخر، كامنة في المفهوم النقدي وسياقاته الإجتماعية، ومدى تقبّل قصيدة نثر ضمن ذائقة مُبارَكة تقليدياً بما تركه لنا شاعر كلاسيكي كعبدالله الخليلي، قياساً إلى "قصيدة حُبّ إلى مطرح" المقررة في الصف الثاني عشر من المنهج، بعد أن أشكلت على إحدى طالبات الثانوية ولم تفهم معانيها، رغم وضوح الشروح المرافقة لها في الكتاب التعليمي. والسبب هو أن أسّ المعضلة - هنا أو هناك، على حد سواء - ليس في استيعاب إحدى قصائد عبدالله الخليلي (بلغتها الخليلية)، ولا في قصيدة سيف الرحبي بنقيضها (اللاخليلي)، بل في سياق اجتماعي تاريخي قدر ما هو مأخوذ بتراثاته (غير المفهومة من ذائقة الشبيبة، تماماً كما هي "قصيدة حب إلى مطرح" غير المفهومة، بدورها) في ذات السياق المتشظي بين كينونتين ثقافيتين. وهو في ذلك دلالة مُرّة على أن شبيبتنا لا تمتلك قوام قدَامتَها في قصيدة الخليلي، فضلاً عن حداثتها في "قصيدة حب إلى مطرح".
* بنية سياسية مكتفية
• لماذا لا يوجد لدينا مفكرون ونقاد كمحمد أركون وعلي حرب وغيرهم؟ ما الذي يحتاجه الفعل الثقافي كي يصل إلى مستوى كبير يُشار إليه بالبنان؟
لأن البنية السياسية مكتفية بإنجازاتها وزينتها المُوازية، ولا تحتاج أمثالهم بالمرّة.
وفي اعتقادي أن بعض قصائد النبط، المبثوثة طولاً وعرضاً في الفضائيات الخليجية، كافية لجعل المفكر "الأركوني المُزمع" يُفكّر مليّا كي ينأى بنفسه عما ستؤولُ إليه أسمال بنية سياسية - من منظوره، طبعاً - سواء كان مستضافاً في الدوحة، أبوظبي أو في مسقط؛ لكنه بالتأكيد، سيضحك (بفكره المُستضاف) قبل أن ينام في جناح الفندق الخليجي الفخم، وهو يتناول كافياراً من بحر قزوين وسمك هامور من الخليج العربي وزجاجة نبيذ لا إسبانية ولا فرنسية، مع حبات من الزيتون، لن تهمّهُ (أركوناً، كان أم لم يكن) الأرض التي نبتت فيها تلك الشجرة التي أثمرت له حبة الزيتون تلك، لأنها لا تعنيه في صقع المنتجع الخليجي. فلتكن حبة الزيتون، لا شجرتها فحسب، متوافقة مع ما جاء في الآية الكريمة: لا شرقية ولا غربية.
إذن، ومحصلة لبداهة.. ما الحاجة، أصلاً، لبلوغ "فعل ثقافي" محلي يُشار إليه بالبنان على الصعيد الفكري؟ لا سيما أن البنية السياسية – كما أسلفت في صدر السؤال – مكتفية تماماً بإنجازاتها، كما بزينتها وزينة أجنحة فنادقها الفخمة، وشاعر النبط الرسمي مؤدياً دوره في تلفزيونه البدوي، تخفيفاً من معترك أفكار المفكِّر المُستضاف، "أركوناً" – مرّة أخرى - كان أم لم يكُن.
* سؤال لمثقفي السلطة
• هل تستطيع الثقافة أن تساهم في التغيير، ما لم يكن جدِّياً على الصعيد السياسي؟
تسألين محمد الحارثي المغلوب على أمره؟..
اسألي مثقفي السّلطة وسلطة الثقافة وما بينهما - وهم كُثر ورائجون، كما هي كثيرة ورائجة – وبالتالي (هي) و(هم) أقدر على الرد عن هكذا سؤال. وليس من باب المفارقة، وبالتأكيد ليس من باب التورية أنني، هنا، لا أتحدث عن شأن محليّ فحسب، فأنا أكثر تفاؤلاً وتعميماً من ذلك، لأن الخريطة واحدة من عدن إلى طنجة، كما هي حالها في طريق العودة من طنجة إلى عدن، حيث تبدو الأمور، كما بدت لنا دائماً، في عدم جدِّيتها أقرب إلى تحقيق فكرة المشروع الحضاري المعكوس والمقلوب رأساً على عقب، كي يسقط مقلوباً على رؤوسنا. مع ذلك أنا شخص متفائل. متفائل، عكس ما تعكسه كلماتي من قنوط، لأنني مؤمن بالمستقبل: وبالتأكيد هي ليست نصيحة الحاضر، لكنها نصيحة الماضي، نصيحته التي غالباً ما تنسى في مَعْمَعان الحواضر وانشغالها المؤقت بالزخرف والزينة.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|