جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
06-03-2009 10:23 PM
السلطنة :
تشظي الذات وتحولات الدلالة في مجموعة – رعشات من معطف الليل- للقاصة مليكة صراري (قراءة سعيد بوعيطة) :
الإبداع رؤيا للحياة والكون. تنطلق من الذات وتصطبغ بخلفياتها وترسباتها. إنها نبش في الذاكرة وطبقاتها الجيولوجية. لكن هذه الذاكرة / الذات، تعرف نوعا من التحول / التشظي.
لتنتشر في كل مكان من خلال تحولها من الذاتي إلى الموضوعي. إن القصة القصيرة بهذا الفهم ، تتغذى من الذات / الذاكرة ومن الواقع في الوقت نفسه.
إن الذاكرة حسب القاص أحمد بوزفور هي محبرة القصة (1). لكنها في الوقت نفسه "تقول بصوتها الخافت انتم يا من لا تجدون مكانا لكم في هذا العالم، أيها المطرودون والمهشمون ادخلوا ملكوتي." (2).
من خلال هذا التصور، سنحاول تحديد (الاقتراب من) المرجعية الإبداعية عند القاصة مليكة صراري في مجموعتها – رعشات من معطف الليل- وكذا ابرز الخاصيات الجمالية والعناصر المهيمنة. محددا دلالاتها وأبعادها الفنية.
* مرجعية الكتابة القصصية:
يجمع اغلب النقاد على أن مرجعية النص القصصي / الإبداعي عامة، ليست أحادية بل متعددة: مرجعية واقعية، مرجعية ذاتية، مرجعية ثقافية / فكرية، الخ...
أ- المرجعية الذاتية:
إن مفهوم الذات في هذا الإطار، لا يؤخذ بالمعنى الضيق المنحصر في الرغبات الخاصة او المكبوتات. بل يعرف اتساعا. تجلت في الذاكرة والنبش في طبقاتها السفلى. لأن ذكرياتنا الأقدم، حسب القاص أحمد بوزفور، أحفل بالحياة والحيوية من ذكرياتنا الأحدث التي تدخل الذاكرة مغلفة باللامبالاة (3).
في المجموعة القصصية التي بين يدينا (رعشات من معطف الليل) نجد بعض النصوص التي تعتمد على هذه المرجعية الذاتية المتجلية في الذاكرة: قصة مشجب للسقوط (ص:5.)
سمكة (ص:52.)، الخ... في قصة –مشجب للسقوط - تقودنا القاصة إلى علاقاتها بالمؤسسة التربوية بكل عناصرها وفضاءاتها.
تعمل على الحفر في ترسبات ذاكرتها. ذاكرة لم تترك شيئا إلا أحصته وعدته. ثمة مجموعة من المؤشرات التي تشي بان السارد في هذه القصة هو المبدعة مليكة صراري نفسها.
(المطابقة هنا نسبية.) يقول السارد، ص 5: "المشكلة ليست في أن ذاكرتي تحمل ألف تلميذ... استلمت لوائحهم من إدارة المؤسسة، ورتبتهم في رفوف ذاكرتي الغيرة التي بحجم الجوزة... شعب بلا ماء ولا مقاعد ولا أقلام ولا عيون...".
على الرغم من استعادة هذا الجانب الحياتي، فهو ينأى عن البعد التقريري الذي غالبا ما يميز الكتابة عن الذات. لان المبدعة صراري تملك عينا دقيقة الملاحظة، قوية الرصد في قصصها. تمزج هذا الرصد بنوع من السخرية. يقول السارد، ص:5 "كانت ذاكرتي صغيرة وكنت أشعر أن ثقلها أكبر من جسدي، حتى إنني اقترحت على طبيب مختص في الأمراض العقلية أن يسمح لي بالمشي على راسي، لأخلق عادة يستفيد منها أصحاب الرؤوس العامرة..." . ويقول كذلك: " كنت مع رفض الطبيب في حاجة إلى عينين علويتين تشتغلان بحركة موازية لعيني اللتين ضعفتا نتيجة ملازمتهما للقلم الأحمر، الشرطي الذي يرصد الحركات والسكنات..." ص:6. إن رسم الشخصيات، وتصوير الأمكنة والأحداث، جاء أشبه ما يكون بالصور الكاريكاتورية. التي أرادت بها القاصة، تحقيق الابتسامة من جهة وربما السخرية أو الساركازم من ناحية ثانية. نلمس هذا كذلك في قصة سمكة ص:52. يقول السارد: " الحفل أشرف على نهايته والمدرس المحتفى به لم يحضر بعد، والزهور المذبوحة بدأت تعروها صفرة...".
إن هذه النصوص القصصية ذات المرجعية الذاتية، لم تبق رهينة هذا البعد. بل حاولت بناء النص من خلال تحويل الحدث إلى عملية اشتغال إبداعي. دون أن يعني التحويل إعادة استهلاك الذاتي / الحياتي. وإنما عملية إنتاجية يبنيها السرد، وتصنعها الكتابة.
ب- المرجعية الواقعية:
غالبا ما تتحكم في هذه المرجعية، تلك الرؤية الانتقادية. حيث يعمد الكاتب / القاص إلى الظواهر الحياتية الهامشية (الاجتماعية) فيجعلها تطفو على السطح (4). نلمس هذه المرجعية الواقعية في بعض نصوص هذه المجموعة: الطفل والدمية، ص:10، نظارة سوداء، ص:16، هجرة جورب، ص:19، الخ...
نلمح في هذه النصوص، عددا من العناصر المهيمنة ذات العلاقة الوثيقة بالحياة الإنسانية.
واقعية نابضة بالحياة. ترسم لنا القاصة مليكة صراري، نماذج من الحياة اليومية. في سلوكاتها، حركتها وسكناتها، أحلامها وخيبات آمالها.
ينقلنا السارد إلى الأحياء الشعبية. يتجول بنا في سوق المستعملات (الجوطية). يقول في قصة
- هجرة جورب – ص:19 "كنت اجوب سوق المستعملات، عن جوارب لا يحتاجها فصل الصيف ذي الجوارب الحامية..." ويقول كذلك، في ص:19 " أما النساء قد أحطن بكمشة من الأطفال الصغار حول ملابس في سن أفراد الأسرة..." إن الشيء نفسه، نلمسه في قصة
- الطفل والدمية – يقول السارد، ص:10 " كان بائع اللعبة يصر على تمزيق قناعها البلاستيكي، حتى ينجح في سلب عقل الطفل المنبهر بها وهي داخل القناع..." أما في قصة
- نظارة سوداء – فينقلنا السارد إلى فضاء متحرك يتجلى في مقصورة القطار. حيث تلك
النماذج البشرية المتنوعة في سلوكها وعلاقاتها مع غيرها. يقول السارد: "عيناه ما فارقتني منذ دخلت مقصورة القطار..." ص:16.
إن القاصة مليكة صراري تركز على كشف حقيقة العلائق والعلاقات البشرية الزائفة. من خلال مجموعة من المشاهد الوصفية الموحية والدقيقة في الوقت نفسه: مشهد الرجل والمرأة
داخل مقصورة القطار، زبناء المقاهي (في قصة نظارة سوداء). مشاهد صيغت بتقنية أدبية ولغوية. مما جعل هذه النصوص القصصية في بعدها الواقعي، تبتعد عن ذلك الانعكاس المرآوي. بل تتدخل المبدعة في بناء الحدث الذي قد يمثل رؤيتها للكون والحياة.
ثمة مجموعة من القضايا الأخرى التي تثير الانتباه عند قراءة هذه المجموعة القصصية.
أهمها هيمنة عناصر عدة: الطفل، البحر، الخ... بالإضافة إلى أبعاد أخرى أهمها: البعد الرمزي والبعد الغرائبي / الفنتاستي، الخ...
* عنصر الطفل:
تجلى هذا العنصر في اغلب نصوص هذه المجموعة القصصية: مشجب للسقوط (ص:5)
الطفلة والدمية (ص:10)، كعكة (ص:12)، أسبوع بستة أصابع (ص:26)، جدار داخل قنينة
(ص:30)، مخطوطات لمحو الطفولة (ص:38)، السؤال (ص:50)، سلة (ص:58)، ورقة (ص:62)، استراحة بدون رخصة (ص:69)، الخ... من خلال عملية إحصائية نلاحظ بأن شخصية الطفل حاضرة بشكل جلي. وإذا ارتبط في قصة – مشجب للسقوط بتلك المرجعية الذاتية كما أشرنا. وبالمرجعية الواقعية في قصة – جدار داخل قنينة - : "نظر الطفل إلى البحر، لم يجد في عينيه ما يدعو إلى الألفة، وقد هرب بأمتار عديدة..." ص:30.
وفي قصة – مخطوطات لمحو الطفولة – نقرأ، " تدحرج الوالدان بسرعة نحو الماء، وحينما تأكد الطفل من أنهما اختفيا تماما مرر يده على الفتحة المخيطة بأعلى رأسه، سل الخيط وأخرج مخطوط الوصايا..." ص:38. إن الطفل عند القاصة مليكة صراري، يعني التطور والتجاوز. فالطفولة أوراق مزهرة. ليل ينتظر الفجر. والفجر ينتظر الشمس. والشمس تتوق إلى معانقة السماء (3).
* عنصر البحر:
تجلى هذا العنصر كذلك في مجموعة من النصوص: - جدار داخل قنينة – مخطوطات لمحو الطفولة، عبر الماء، الخ... يقول السارد، ص:42 " الأسماك المقيمة بالبحر والخبيرة بأصناف الزوار..." قصة – عبر الماء - . إن البحر في هذا النص، يعني الاختفاء والموت.
يتجلى ذلك في الحقل الدلالي لهذا النص القصصي: الجثة الملقاة، قطعة عظم، يركب القارب ويقطع البحر، الخ...
* البعد الرمزي:
تتميز بعض قصص هذه المجموعة، بالبعد الرمزي. خاصة بالنسبة للحوار. في قصة
- أوراق مبعثرة – نجد حوارا بين شخصية - س – والورقة.
قالت الورقة: أنا ورقة الليل (...)
قالت (س): نامي وخلصيني من صداعك.." ص:24.
وفي قصة - أسبوع بستة أصابع - نجد كذلك حوارا بين الطفل والشمس:
قال الطفل: هو يوم التحاقي بالمدرسة
قالت الشمس: حدثني عن تفاصيل هذا اليوم،
الطفل: رغم أنني لا أحاول أن أتذكر... ص:26.
إن الشيء نفسه نجده في قصة - رحيل صدفة - ص:72
(حوار بين البحر والليل.)، قصة - استراحة بدون رخصة – ص:69 (حوار بين الطفل والسرير).
حوار يحمل دلالة رمزية. قد تسعى المبدعة من خلاله إلى البعد الغرائبي والفنتاستي.
لتحقيق المتعة واللذة النصية في الوقت نفسه. كما أن هذا البعد، يفتح للنص القصصي آفاقا من
الإمكانيات البنائية، وأبعادا متعددة من القراءة والتأويل.
* الهوامش:
1) أحمد بوزفور، الزرافة المشتعلة، ط1 ، منشورات - المدارس - الدار البيضاء، 2000، ص: 13.
2) الزرافة المشتعلة، ص:12.
3) الزرافة المشتعلة، ص: 61.
4) محمد معتصم، تعدد المرجعيات في الكتابة القصصية، ضمن كتاب: القصة المغربية (منشورات الشعلة)، ط 1، 2000، ص:71.
5) قراءة في مجموعة "السيدة كانت" حسن عبد الهادي، مجلة البيان (الكويت)، ع 333، 1998، ص: 101.
* قدمت هده الورقة النقدية في استضافة جمعية – هدير المساء- للقاصة المغربية مليكة صراري. بمناسبة صدور مجموعتها القصصية – رعشات من معطف الليل-.( 2008).

القاصة مليكة صراري والناقد سعيد بوعيطة.
سعيد بوعيطة
ناقد ومترجم من المغرب
عضو هيئة تحرير مجلة - اجراس الثقافية-(المغربية
عضو اتحاد كتاب المغرب
كاتب صحفي.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|