جديد الصور
جديد الجوال
جديد الفيديو
تغذيات RSS
|
05-23-2010 02:05 PM
|
قلبي يسافر مثل الحمامة
خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
في الساحة الفاصلة بين سوق الحميدية، والمسجد الاموي، وقفت أنا الآتي من منابع العشق، إلى مصبه، محلقا بفرح كما الطيور، التي وجدت في الحميدية.. أمنها ومستقرها..
كنت أخفق بالعشق، وأصدح بالوجد.. وأخال ان العشاق من حولي، يفتحون قلوبهم لمحبة المكان، والتشبث به، ويقرأون بوحهم، دون ان ادري أي كلمات تقال في هذا المقام.. غير انني أدركت، لحظتها، مغزى ان تكون دواوين العاشق الدمشقي نزار قباني، متصدرة كتب الرصيف، وواجهات المكتبات في الزقاق الواصل إلى هذا المكان.. عرفت معنى ان يندس بين الحمام، ينثر لها الحَب والحُب، ويقرأ من كلمات العاشق.. \"وعيناك عصفورتان دمشقيتان.. تطيران بين الجدار وبين الجدار.. وقلبي يسافر مثل الحمامة.. فوق مياه يديك، ويأخذ قيلولة تحت ظل السوار.. وإني أحبك\"..
***
ما بين الحميدية والمسجد الاموي، علاقة ترابط وتلاقي، فكل من يخرج من المسجد، يدخل الحميدية، ويحط رحاله في خاناته ومتاجره..
ـ ما دمنا في الحميدية فلا بد لنا المرور على بكداش.
قالها أحد أصدقاء رحلتنا إلى دمشق، وهو يزيد شوقنا، ويضاعف بهجتنا باحتضان المكان، والاحتفاء به..
ـ بكداش؟!.
تساءلت بذهول.. وانا أبحث عن دلالة الأسم ومعناه، وأتخيل ما يمكن ان يفضي إليه.. لكن صورة الحميدية، والباعة الذين يتوزعون في المتاجر.. والبضائع المختلفة المنتشرة داخل المحلات وخارجها، جعلتني اؤجل طرح السؤال، واكتشف بنفسي الاجابة التي ستأتينني عما قريب.
***
لم يكن الحميدية مجرد سوق عادي، كان صورة حياة تجسد كل المعاني والقيم، وتزخر بالمفردات الثرية، التي تخلق من رحم المكان ألف حكاية وحكاية..
هذا المكان الذي يصنع حكاية المدينة ويخلد كينونتها.. هو كأمكنة عديدة تحيا بها المدن والأحياء السكنية.. كان الحميدية بالنسبة لي كخان الخليلي وسوق مطرح واسواق عربية عريقة، يجد المرء فيها كل شيء، حتى ذكريات المكان وروح الشخوص، والقيم الانسانية العظيمة.
ولا ادري في اللحظة التي دخلت فيها الحميدية، ما مدى التوقف المكاني والزماني الذي انتاب روحي، ذلك انني استعدت الكثير من الاحداث والصور التي احفظها عن هذا المكان.. ورحت اجوبه في الخيال، محاولا عقد مقارنة ما بين الصورة المرتسمة له، والصورة الماثلة امامي.. ودون مواراة.. كان الواقع اجمل من رسم الخيال..
***
كانت الصورة المجسدة للسوق ومن حوله قلعة دمشق والمسجد الأموي ومدرسة العزيزية والاضرحة ومقامات الاولياء الصالحين، ترسم جمالياتها.. وتبدع في نثر التفاصيل والمفردات المكملة لجمال وقيمة المكان.. وعلى المساحة الفاصلة بين الحميدية والاموي طارت ألف حمامة وحمامة.. وهناك ايضا حطت ألف حمامة وحمامة أخرى.. والعاشق الدمشقي صار الف عاشق وعاشق.. وراح يتناسخ.. وهو يبوح بشجنه.. أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي.. لسال منه عناقيد.. وتفاح.. ولو فتحتم شراييني بمديتكم.. سمعتم في دمي أصوات من راحوا.. مآذن الشام تبكي إذ تعانقني.. وللمأذن كالأشجار أرواح..
كنت استحضر هذه الكلمات، وأنا اتحسس مكامن العشق في صدري.. واتلمس موضع المعشوق.. وكانت دمشق.. هي العشق والمعشوق.. هي وحدها المتفرد على عرش القلب.. باسطة كفيها.. تمتلئ بغصون الورد والياسمين.. وتضج بروائح العود والعطور.. وأبسط كفي على كفيها.. افرد اصابعي كما اصابعها.. اتوحد في كينونتها.. ليعرش الياسمين على اصابعي.
***
ودخلت الحميدية..
دخلت السوق وأنا أفتش في كل ركن منه.. وأبحث في كل زاوية، عن سر تشبث القلب وتعلقه.. كنت أبحث عن معنى الحميمية التي تعتلج صدري، ودلالة عشقي للمكان، هذا الذي أنظره للمرة الأولى رأي العين..
لم يكن الحميدية مجرد سوق للبضائع والمنتجات الشامية، أو المستوردة، بل كانت الحياة تجوب أركانه، وتتوزع على كل مفردة فيه، كنت وأنا أنظر نحو سقفه، وأعاين الثقوب الصغيرة فيه، ألمح أشعة الشمس تخترقها، فيبدو السقف كسماء صحوة تزينها نجوم مضيئة، تشرق بألوانها القزحية، وتضفي على المكان مزيدا من الألق والتوهج.
كان السقف يمتد بامتداد البصر، ومن أسفله كانت جموع البشر من جنسيات ومشارب مختلفة، تملأ المكان، وهي تتوزع بين المتاجر والمحلات المختلفة، وتقلب أبصارها في البضائع والمنتجات التي يحويها..
بدا لي سوق الحميدية.. وكأن العالم بشعوبه وأجناسه.. وقيمه وتكويناته.. بتراثه وحضارته.. بمفرداته ومميزاته.. مختصرا فيه.. دون أن يعني ذلك انسلاخ المكان عن تكوينه التراثي والحضاري الأصيل..
***
كانت الملابس بانواعها والأقمشة والصناعات التقليدية كالموزاييك والنحاس المزخرف بالفضة، تتوزع جنبا إلى جنب مع التحف والهدايا والمطرزات والمناضد الخشبية ومحلات الصرافة والحلويات الشامية والبهارات والعطور والاعشاب الطبية.. لم يكن يخطر ببالي بضاعة أو منتج دون ان أجد له مكانا في سوق الحميدية، أو في الاسواق المحاذية له، التي لم يكن لها الصيت والشهرة التي امتاز بها الحميدية..
أما محلات السوق.. فقد طارت شهرتها إلى بقاع شتى، واجتازت الحدود، رغم بساطتها.. فأشهر محل للعطور، في الشام، قد لا يكون بذلك الحجم والصورة التي يخالها المرء، وهو يقارن بينه وبين محلات العطور الكبرى، لكنه يعج بالزوار والمرتادين على مدار اليوم.. وقلّ ان يجد المرء فيه مكانا للوقوف.. برغم انه مجرد محل صغير، تتكوم فيه زجاجات العطور، وانواع الطيب، دون ترتيب وتنسيق.. اما في وسط السوق، فيبدو بكداش، متفردا بمكانته، ومتميزا، دون ان يقدر أي محل آخر على منازعته المكانة، ومنافسته على التميز.
بكداش!!.
اقرأ الاسم.. واكتشف أجابة السؤال الذي ظل يحوم حولي.. منذ دخولنا السوق.. واتبين ان الاجابة التي أجلت الوصول إليها.. قد بزغت في هذا المكان، واشرقت من داخله، حينما تبين لي، ان الأسم (بكداش) هو علامة تجارية لأشهر محل بوظة في الشام.. إن لم يكن في المعمورة بأكملها..
كانت فرحتنا كبيرة، حينما عرفنا ان يد التغيير والتحديث، لم تنزع هذا المحل من مكانه، ولم تزرع محلا آخر موضعه.. كان ذلك يعني ان بكداش.. يقابل المفردة التراثية والشعبية التي تظل مغروسة في اعماقنا.. تشمخ دون ان تستطيع اي مفردة اخرى القضاء عليها، ومسخ تكوينها..
ورغم ان الأصالة الشامية لا يمكن اختصارها في محل بوظة.. أو حتى في سوق.. أو حي شعبي تتنوع بيئاته، وتتعدد تفاصيله.. إلا انني أجد ان مجرد الحفاظ والابقاء على هذه المفردات البسيطة، تعني في المقابل الحفاظ على تكوينات أكبر منها وأشمل.. هي بالمعنى المقارب الحفاظ على تراث شعب، وحضارة امة، وقيمها وتقاليدها الاصيلة..
***
كان محل بكداش مزدحما لدرجة اننا بالكاد وجدنا كراسي فارغة.. تسابقنا عليها قبل ان يظفر بها أحد غيرنا.. كان زبائن المحل من كل الجنسيات.. توزعوا في أركان المحل المختلفة، فهناك قسم للعائلات، وقسم آخر للنساء.. وهنا قسم للعامة، وبين هذه الاقسام يجول عمال المحل وهم يحملون صواني البوظة المتنوعة بين نكهات الفستق الحلبي والقشدة.. ويلبون طلبات الزبائن.. فيما كان عمال آخرون، عند مدخل المحل يضربون البوظة بمدقة خشبية طويلة تعلو وتهبط بشكل استعراضي داخل برميل معدني واسع بطريقة فنية، تعيد إلى الاذهان الطريقة التقليدية لهذه الصناعة الجميلة، التي اشتهرت بها دمشق دون سواها من المدن.
كان طعم البوظة.. ونكهة الحليب المحلى والفستق الحلبي، تحفز المرء على طلب المزيد، وكنت اقرأ في عيون الاصدقاء علامات التلذذ والاعجاب، منتظرا منهم المبادرة إلى طلب المزيد، دون ان يحدث ذلك، ربما لأنهم تركوا الامر لي، وكان ان اعلنت على مضض.. الاكتفاء.
|
خدمات المحتوى
|
خلفان الزيدي
تقييم
|
|
|