ذاكرة التراث
بحور شبه منسية ( 2 )
التغرود والعازي والميدان..خصوصية الشعر العماني وتجلياته
للكاتب راشد سعيد الشامسي

في البداية أود أن أعتذر للقائمين على هذا الملحق وللقراء الأعزاء لتأخري في تكملة ما بدأته عن البحور شبة المنسية في الكتابات الشعرية المعاصرة .. حيث كان من المفترض أن يكون هذا البحث في الشهر السابق ولكن لظروف يعلمها القائمون على الملحق لم أتمكن من كتابته حينها .. فمنهم ومنكم العذر .
تكلمنا في البحث السابق عن بحرين من البحور الشعرية الغنائية التي نادرا ما نجد الشعراء الشباب يكتبون عليها وهما : (بحر الردح وبحر الونة) واتتني بعض الملاحظات بأنني لم أضع أمثلة ونماذج من الشعر الشعبي العماني لتلك البحور . ولكن عذري أنه لا يوجد بين يدي ـ وحتى ساعة كتابة هذا المقال ـ أي مرجع أستطيع أن أستشهد من خلاله على ما أطرحه من أوزان للبحور التي أتطرق إليها . هذا من جهة والبعض الآخر يرى المسميات تختلف من منطقة لأخرى وقد أوردت هذه الجملة في البحث السابق ( وربما تختلف بعض مسميات هذه البحور من منطقة لأخرى في السلطنة ولكنها يقينا موجودة في كافة أرجائها ) فقد استنبطت أسماء هذه البحور من بعض الشعراء الشعبيين كبار السن ممن تخالطت معهم في مسيرتي الشعرية .
التغرود :
هو البحر والقصيدة الواحدة تسمى تغرودة . وهو فن حداء على ظهور الإبل ويمكن أداؤه من مغنٍ واحد أو من فريقين من المغنين يتناوبان على تأدية كل شطرٍ منفردا. وعادة ما تأتي قصيدة التغرودة على شطر قافية واحدة وشطر واحد والشطر في التغرودة يعد بيتا منفردا . وهذه الميزة لا تكون إلا في التغرودة والمسبّع ( ما يسمى بالزهيريات ) . وفي أكثر التغاريد القديمة المشهورة تكون التغرودة عبارة عن رسالة موجهه لمتلقي معين ( حبيب ، أخ ، صديق ... الخ ) أو في المدح أو في وصف الإبل .
وهذه تغرودة للشاعر طاهر العميري يقول فيها :
يا صاحبي والليل مد احزانه
تتراقص اشباحه وظل اغصانه
كل الهموم تمر بك عطشانة
ظميانة ٍواحلامها بردانة
نام الطريق وخطوتك سهرانه
مر المسا ونجومنا نعسانه
ما غير تحفر في الثرى لك خانه
تجني السراب وتشربك كثبانه
ويأتي وزنها على ( مستفعلن / مستفعلن / مستعلن ) كما يمكن أن تأتي على ( مستفعلن / مستفعلن / مستفعلن ) كما في المثال التالي وهي تغرودة للشاعر حميد الهالة النعيمي :
يا راكبٍ شقرا ربيّة بونها
ناحف وخليا م اللحوم متونها
سلّم وبلّغ رمستي مضمونها
بنت الدهر ألفت تسوق ظعونها
العازي :
فن العازي يمارس في أغلب ولايات السلطنة وهو فن مدح وفخر يكاد لا يغيب من ذاكرة كل العمانيين . وهنا لا نتكلم عن الفن بقدر ما نتكلم عن الشعر وبحور الشعر . فالعازي عادة يأتي على بحر واحد سريع الإيقاع وهو ( مستفعلن / مستفعلن × 2 ) وياتي على قافيتين أو على قافية واحدة وفي أغلب الأحيان ياتي (مروبعا او مربوعا) كم في قصيدة للشاعر حمود الحجري يقول فيها :
وش كثرهم من هالطريق
مرّوا على باب النظر
مرّوا وبالصمت العميق
تتثاقل اللحظة ، وتمر
حيرى ، تقاذفني غريق
أستحضر أخطاء العمر
مرّوا ، ينادوا : ما تفيق
يا محتسي الغفلة خمر
وتفزّ في جلدي الرقيق
ملائكة طهر وذكر
ولي في بحر العازي قصيدة أقول فيها :
وقفت تناظر عن كثب
منظر ويملأها عجب
هل هكذا تُدمى الجروح؟
هل هكذا شوق المحب؟
الميدان :
بحر الميدان على وزن واحد وهو ( مستفعلاتن / مفاعيلن × 2 ) ويسمى في بعض الدول الخليجية بالهجيني القصير . مثل قصيدة لي :
يا سيّدي القاضي الجلاد
لو تستمع بس للطارق
جيتك وشقي عليك بلاد
بك ينتش العمر لك يارق
أهوى دلالك وصل وابعاد
لا هو تداني ولا مفارق
لك \"م\" الطفولة دلع وعناد
ومن الضيا لك سحر شارق
ولكم خالص الود منّي
راشد بن سعيد الشامسي
Rs11rs11@hotmail.com